الأحد، 19 أكتوبر 2025

 أوجَ نعمةٍ

سما السُّمو من نارِ بلوى عسيرةٍ 
فعَلتْ به الأرواحُ نحو العلاءِ
وصاغَ الصبورُ الدربَ صرحًا مهيبَةً 
فأكملَ روحَ المرءِ صرحَ البناءِ

وألقى الحكيمُ الصبرَ ضدَّ عواصفٍ 
فأنبتَ في قلبِ الفؤادِ الرجاءَ
دواءٌ من السِّلمِ المصفّى يفيضُه 
كتابُ هُدى يمحو مآسي الشقاءِ

تسامى إلى ميزانِ نفسٍ مطهّرةٍ 
فكان دواءُ الغضبِ الصفوَ ماءَ
وألبسَه حِلمًا رقيقًا كدرعِه 
ليُدرِكَ إيقاعَ الزمانِ القساةِ

وعاينَ في قممِ التأمّلِ رفعةً 
تسيرُ به الأرواحُ نحو السَّناءِ
فصبرٌ كأوتارِ الغناءِ رقيقُه 
يلينُ كما اللحنُ العجيبُ الرخاءَ

وكم مجلسٍ صافٍ تهادَتْ خواطرٌ 
به كزلالِ الماءِ يغمرُ فياءَ
يُفيضُ سلامًا صادقًا في مآلهِ 
ويبني على الأرواحِ دارَ الصفاءَ

ويشرقُ نهجُ العدلِ في قلبِ مؤمنٍ 
كسِرٍّ نقيٍّ قد تجلّى ضياءَ
فذروةُ أملٍ نادرةٍ في شروقِها  
تعانقُ فجرًا ناصعًا ببهاءَ

تسامى إلى أفقِ التوازنِ صاعدًا 
يبدِّدُ ليلَ الغضبِ والظلماءِ
دروعُ الحكيمِ الحرِّ صارتْ لطيفَةً 
تُصانُ بها الأرواحُ من بَلْوَاءِ

وصعدتْ أنفاسُ التأمّلِ عذبةً 
كأطيارِ شوقٍ حلَّقتْ في الفضاءِ
فصارتْ مقاماتُ السكونِ منابرًا 
تؤدي لسرّ النورِ بين الضياءِ

مجالسُ فكرٍ قد تجلّتْ صريحةً 
كأنّ بها أرواحَ صفوِ السّماءِ
فأمطرَ عقلٌ مستكينٌ طمأنينةً 
وزانَ لهُ فيضًا عميقَ ولاءَ

ولمّا تجلّى سلمُ روحٍ نقيةٍ 
غدا لذوي الأحزانِ دارَ شفاءِ
فأشرقَ ميلادُ السكونِ كأنّهُ 
جَنابُ ربيعٍ طاهرِ الأرجاءِ

نهوجُ اعتدالٍ أزهرتْ في رياضِها 
فصارتْ سبيلًا للهدى والصفاءِ
وعرشُ رجاءٍ نادرٍ في سناهُ قدْ 
سما نحو أفلاكٍ بعُدْنَ خفاءَ

فأضحى التوازنُ في القلوبِ بشارةً 
كأنّ به الأرواحَ ضوءَ سماءِ
وأضحى رجوعُ النورِ من سرِّ روحهِ 
خلاصًا من الأوجاعِ بعدَ عناءَ

توجَّه للقلبِ السكونُ برحمةٍ 
فأشرقَ مثلَ الفجرِ بعدَ مساءِ
وصارتْ جسورُ الحِلمِ أركانَ حكمةٍ 
تُشيَّدُ في الأرواحِ ضدَّ الفناءِ

فما العزلةُ الكبرى سوى سرِّ وُدعةٍ 
تبوحُ بسرٍّ خافقٍ في الخفاءِ
إذا ما تجلّى الصمتُ صارَ بلاغةً 
وأضحى صدًى عذبًا كصوتِ دعاءِ

صفاءُ هواءٍ في رياضِ تأمّلٍ 
كأنّ به الأرواحَ تَسمو سَناءَ
وسلمٌ من الأنفاسِ ينسابُ هادئًا 
كجدولِ ماءٍ في رُبا الخضراءِ

فما أبدعَ الأرواحَ إذْ هي صاعدةٌ 
تعانقُ في الآفاقِ نجمَ السماءِ
وما أجملَ الأصداءَ في عمقِ سكينةٍ 
كعودٍ شجيٍّ يبعثُ الأنسَ ناءَ

مراسي رجاحٍ قد ثبَتْ في عواصفٍ 
تحيطُ كبحرٍ هائجٍ بهواءِ
وعهدُ وفاءٍ مع حكيمٍ مجرَّبٍ 
يُعلّمُ أنَّ الصبرَ زادُ البقاءِ

وجُزرُ القلوبِ الصافياتِ نعيمةٌ 
كأنّ بها الأرواحَ دارَ صفاءِ
وفيها شرابُ الطمأنينةِ ساكرًا 
كخمرِ هُدىً يروي ظمأَ العظماءِ

إيثارُ مَن بالفضلِ يفهمُ جوهرًا 
ويعلمُ أنّ السلمَ سرُّ العطاءِ
فصاغَ كيمياءَ السلامِ بصحوةٍ 
تعودُ بها الأرواحُ بعدَ شتاءِ

وأضحى فنونُ العمرِ مدرسةً هدىً 
تفيضُ دروبًا من رجاءٍ سواءَ
فجاءتْ بشاراتُ السكونِ كأنها 
ربيعُ قلوبٍ بعد طولِ عناءِ

تجرّدتِ الأرواحُ من كلِّ شهوةٍ 
فعانقتِ الأخلاقَ زهرَ الوفاءِ
وصارتْ جموعُ الفضلِ عقدًا منيرَةً 
تضيءُ لنا الدربَ الطويلَ العراءِ

فأعلى التجرّدُ في السموِّ منازلًا 
تسيرُ كما تسري النجومُ ذكاءَ
وفيها شموخُ الروحِ يسمو بحبِّها 
فتبني صروحًا من ضياءٍ نداءَ

تراكمتِ الأمجادُ نصرًا مهيبَةً 
على مهلٍ كالدرِّ بعد انحناءِ
فصارتْ بُنى السِّلمِ العظيمِ منائرًا 
تلوحُ كمصباحٍ يبدّدُ دَجاءَ

وما زالتِ الذكرى لطيفةَ وقعِها 
تُصوّرُ للأنفاسِ عهدَ صفاءِ
فتشرقُ في الآتي سنينٌ هنيئةٌ 
ويُغمرُ بالأفراحِ عمرٌ وفياءَ

سعتْ للهوى الأرواحُ نحوَ انسجامِها 
فأبدتْ دواءً من سكينةِ ماءِ
وزالَ هياجُ القلبِ إذْ هي وحّدتْ 
صداها على لحنٍ رقيقِ رجاءِ

فكان سلامُ الروحِ غايةَ مطلبٍ 
وغايةُ تأمّلِها صفوُ ناءَ
فتمَّ تمامُ الصفوِ فيها مقدَّسًا 
كأنّ به الأرواحَ دارَ هناءَ

مجالسُ أهلِ الفضلِ أضحتْ منابرًا 
تباركَ فيها العقلُ ضدَّ الجفاءِ
وأشجارُ حِلمٍ عمَّقتْ من جذورِها 
لتُخرجَ أثمارًا من الوعيِ ناءَ

فجاءتْ عصورُ الوُدِّ تُشرقُ نورَها 
كفجرٍ جديدٍ طافحٍ بالصفاءِ
وكانتْ محبةُ ربِّنا أوجَ نعمةٍ 
وغايةُ سلمٍ واهبٍ للعطاءِ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق