سَيَسْمَعُ قلبي نَغْمَةَ الصَّبْرِ أولًا ويَخْطُو على الدُّنيا بِعَقْلٍ مُهَذَّبا ويَرْقُبُ في الأيَّامِ سِرَّ تَحوُّلٍ يُبَدِّلُ ما أَخْفى من الحُلمِ مَأرَبا
ويَعلمُ أنَّ الدَّرْبَ شَتّى مَسَالِكٌ يُرَبِّي بها التَّكوينَ حتى يُجَرَّبا فَلا النُّورُ يُهدى دونَ نارٍ تَصوغُنا ولا المجدُ يُعطى من يُريدُ تَطلُّبا
تَهامَسَ في الأعماقِ صَوْتُ تأمُّلٍ يُنادي: أَفِقْ، فالدهرُ عَينُ العَبَارَهْ وَقُلْ لِلسُّرُوجِ البِيضِ هَيَّا ارْكَبِي الهُدى فَإِنَّ المَدى بَحرٌ، وَرُوحُكَ مَسْرَاهُ
وَلا تَخْشَ وَعْرَ السَّيْرِ، إنَّ مَتاعَهُ رُضابُ عُلا، يُسْقَى لِمَنْ كَانَ وَعْيَاهُ فَمَن طَهَّرَ النَّظْرَ المُضِيءَ بِصِدْقِهِ رَأى الحُلمَ مِصْباحًا، وَصَارَتْ خُطَاهُ
تَفَتَّحَ في صَدْرِ الحَيَاةِ رُبَاهُها وَنَادَى النَّهارُ العَارِفِينَ نِدَاهُ فَمَن عَرَفَ السِّرَّ الكَمينَ بِمِحْنَةٍ سَقَى الحِكْمَةَ العُليا بِدَمْعٍ سَقَاهُ
وَها أَنْتَ تَبْدَأُ رِحْلَةَ التَّوَجُّدِ الَّتي تُقَدِّسُ فِيهَا رُوحَكَ وَتَرْعَى نِدَاهُ فَأَدْخُلْ إِلَى الدُّرْبِ العَظِيمِ بِهَيْبَةٍ تُهَيِّئُكَ الأَبْيَاتُ أَنْ تَتَفَتَّحَ فَاهُ
وَإِنَّ صُعودَ الرُّوحِ سِرٌّ مَهيبُهُ يُزَيِّنُهُ الصَّبْرُ الجميلُ إذا نَبَا فَمَن صَبَرَتْ خُطْواتُهُ في مَسِيرِها رَأى الحُلمَ يَخْضرُّ الرُّجاءُ ويَجْتَبا
وَمَا الحِكْمَةُ العُليا سِوى مَوجِ مِحنةٍ يُقَلِّبُهُ اللَهُ ابتلاءً لِيَصْطَفِيَا فَيا قارِئَ الأبياتِ، هذي رِسالَةٌ سَتَهْديكَ دربًا في المدى مُتَأدِّبا
اقبَلْ بأنَّ الدربَ يُطوى مُعذَّبًا فعندَ المَشاقِّ العزمُ يُروى ويُعْرَبا وإنْ خانكَ التوفيقُ في أولِ الخُطا فصبراً، فإخفاقُ البداياتِ أخصَبا
خُذِ الحِلمَ زادًا في طُروقِ العواثِرِ ولا تَتبعِ العَجَلَ البَغِيَّ السَّوَافِرِ وشُدَّ نُجومَ العُلى بأهدُبِ رُؤاكَ وسِرْ نحوَها خُطوًا بثَغرٍ مُباسِرِ
وجِّه قواكَ إلى المرامِ الأوَحَدِ وسِرْ في هُدى الإلهِ نَهْجَ مُهتَدِ حتى إذا البُنيانُ شامَخُ سُؤدُدٍ تباهى بناؤُكَ في المدى المُتَرصَّدِ
تَسَلَّقْ مَعَارجَها بدُربٍ خفيَّةٍ وزَيِّنْ تواضُعَكَ التِّبريَّ تاجا وَمجِّدْ صِغارَ الحُلمِ إذْ هيَ مَكرُمٌ فمن بَذرةٍ خَفْياءَ أَزهَرَتْ فِجاجا
لِمَن زَهْدُهُ مَجدٌ، ومَجدُهُ اتِّضاعْ فَطُوبى لِمَن بالحِلمِ يَرقى ويَطّاعْ وأثنِ على سِرِّ التَّراكُمِ كاشفًا فمِن نُقطةٍ تُبنى العُلا والأطماعْ
تَبَيَّنْ خطاكَ إذا دَنا أوّلُ المَدَى ولا تَكْتُمِ الزَّلَّاتِ خَوفًا ولا رَدَى فكم قادَ جهلٌ في المسيرِ مُتيَّمًا إلى تيهِ رَأيٍ، ثمَّ عادَ مُهتَدَى
تَدبَّرْ ثَمنَ الإصرارِ قبلَ التَّعَبْ فإنَّ رُجوعَ العاقِلِينَ أدبْ ولا تَستَزِدْ خُسرانَ ما فاتَ طائعًا فقد يُصلِحُ الرجعى خُطىً قد خَرَبْ
تَقَبَّلْ حقيقةَ نفسِكَ المُتَبَيِّنَهْ وأَقبِلْ على وعيٍ يُضيءُ السَّكَنَهْ وقَوِّمْ مسيرَكَ حيثُ تُبصِرُ بَدرَها وعُدْ نحوَ فجرٍ في المدى قد بَيَّنَهْ
دعِ الكِبرَ، فهوَ السُّمُّ في كَفِّ حامِلِهْ وَلَيِّنْ حُروفَ الحُزنِ في حَنجَرَاتِهِ وسامِحْ نَدَاماكَ الحِكيمَ مُرَوِّضًا وشِدَّ عَلى جَرحِ الخُطا بتَعاتِهِ
تَأنَّى إذا أظلمْتَ في طُرُقِ المُنى ولا تَغفَلِ الفِطرةَ إن ضاعَ السَّنا فمِن مِحنةٍ تُهدى حِكايَةُ حِكمةٍ تُؤَدِّبُ قلبَ المرءِ أنْ يَغوِي العَنَا
وَإِنَّ جَنَى التَّجْرِبَاتِ لَذِيذُهُ يُقِيمُ عُقُولَ الحَائِرِينَ مُنَوَّرَا فَسِرْ فِي طَرِيقِ النُّورِ حَيْثُ تَجَلَّتِ حَقَائِقُ تُحْيِي القَلْبَ إِنْ تَذَكَّرَا
تَفَتَّحَ فِي جَفْنِ الزَّمَانِ تَجَلِّيًا وَبَاتَ لِسِرِّ اللَهِ أَكْثَرَ أَبْصَرَا فَأَزْهَرَ فِي عَيْنِ المَسِيرِ جَمَالُهُ وَصَارَ لِقَلْبِ العَاقِلِينَ مُسَطَّرَا
هُوَ السَّكَنُ المَفْقُودُ فِي كُلِّ نَازِلٍ إِذَا سَكَنَ الإِيمَانُ فِيهِ تَيَسَّرَا تُهَوِّنُ أَيَّامُ الرَّزَايَا مَصَابَهَا إِذَا كَانَ فِي القَلْبِ الرِّضَا مُتَجَذِّرَا
وَفِي الخُطْوَةِ الأُولَى جَمِيعُ خَلاصِنا فَلَا تَتْرُكِ البَدءَ الكَرِيمَ مُؤَخَّرَا فَبِالْبَدْءِ تَبْدُو رَحْمَةُ اللَهِ أَوَّلًا وَبِالْبَدْءِ يُحْيَا مَا تَحَدَّرَ أَكْبَرَا
تَجَلَّتْ لِقَلْبِ المُبْصِرِينَ عَجَائِبٌ تُفَسِّرُ لِلسَّارِينَ مَا كَانَ أَسْرَرَا وَمَا البَصَرُ المَحْسُوسُ إِلَّا سَحَابَةٌ إِذَا مَا أَزَالَتْهَا البَصِيرَةُ أَطْهَرَا
تُرَاقِبُ نُورَ الحَقِّ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ فَيُضْحِي الفُؤَادُ الطَّاهِرُ المُتَخَفِّرَا وَيَجْرِي بِمَعْنَى الوَصْلِ سَيْلُ مَعَارِفٍ تُرَاوِدُ لُبَّ الحُكْمِ نَفْسًا مُحَرَّرَا
إِذَا رَاقَبَ الإِنْسَانُ نَفْسًا وَرَاقَهُ تَصَاعَدَ فِي دَرْبِ الخَلُودِ مُطَهَّرَا وَأَدْرَكَ أَنَّ النَّفْسَ لَا تُتْقَنُ المَدَى إِذَا لَمْ تَكُنْ بِالصَّبْرِ وَالعَزْمِ مُسْتَرَا
وَمَا الحُرُّ إِلَّا مَنْ تَخَلَّى بِقَصْدِهِ عَنِ الشَّهْوَةِ الكُبْرَى وَمَا اسْتَكْبَرَا فَيَبْلُغُ فِي سُوقِ الحَيَاةِ سَمَاوَةً تُرَاقِصُ فِيهَا الرُّوحُ نُورًا مُحَيَّرَا
يُنادِي صَدَى المَعْنَى إِلَيْكَ مُهَذَّبًا تَقَدَّمْ وَخُذْ مِفْتَاحَ نَفْسِكَ أَطْهَرَا فَمَا البَحْرُ إِلَّا فِتْنَةُ السَّيْرِ فِي الرُّؤَى تُرَاقِصُ فِيهَا الحِكْمَةُ الوَقْتَ أَسْحَرَا
فَكُنْ كَالغُيُومِ الحُلْوِ تَهْطُلُ صَافِيًا وَلَا تَجْعَلِ الغِلَّ المَقيتَ مُؤَزَّرَا وَدَعْ فِي دُرُوبِ العَفْوِ أَثَرًا كَرِيمًا يُحِبُّكَ مَنْ يَأْتِي وَيَذْكُرُ أَثَرَا
تَغَنَّتْ رِيَاحُ الصُّبْحِ فِي شُعَبِ الهُدَى وَأَزْهَرَ فِي صَدْرِ المَسَاءِ التَّبَصُّرَا وَفِي نَغَمِ الأَبْيَاتِ سِرٌّ مُقَدَّسٌ يُعَلِّمُ مَنْ يَسْمُو كَيْفَ اسْتَبْصَرَا
فَطُوبَى لِمَنْ نَامَتْ جُفُونُ طُمُوحِهِ عَلَى صَدْرِ صَبْرٍ طَاهِرٍ مُتَحَبَّرَا وَطُوبَى لِمَنْ فِي الصِّدْقِ رَاحَتُ نَفْسِهِ وَصَارَ إِلَى نُورِ اليَقِينِ مُسَفَّرَا
هُنَا تَسْكُنُ الأَرْوَاحُ بَعْدَ تَجَرُّدٍ وَيُسْدِلُ نُورُ الفَجْرِ سِتْرًا مُعَطَّرَا تُقَبِّلُ فِي نَهْجِ الحَيَاةِ نُضُوجَهَا وَتَكْتُبُ فِي اللَّيْلِ البَهِيِّ مُفَكَّرَا
وَيَبْقَى صَدَى الشِّعْرِ الجَمِيلِ كَأَنَّهُ وُرُودٌ عَلَى أَجْفَانِ وَقْتٍ مُبَهَّرَا فَتَسْكُنُ فِي خَاتِمِ الأَبْيَاتِ حِكْمَةٌ تُعَلِّمُنَا أَنْ نَحْيَا جَمِيلًا مُطَهَّرَا
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق