الجمعة، 17 أكتوبر 2025

زارعو الرؤى

يا قلبُ هل تسمع الهمسَ الخفيَّ في الدجى
صوتاً يُنادينا من الأعماقِ سرّاً قد جرى؟
كأنّه البدرُ يختفي خلفَ الغيوم
ويُرسلُ الضوءَ لقلوبٍ ما وعى

نحنُ في دنيا تُزيّن وجهها بالبهتان
وتُغطي ندوبَها بأرديةِ الألوان
لكن خلفَ الحُجبِ سرٌّ مستترٌ
يعرفه من أبصرَ الروحَ بلا نسيان

هذي الحياةُ سرابٌ يلبسُ ثوبَ الندى
يزهو كزهرٍ، وفي الجوفِ جرحٌ ودمى
تُضحكنا حيناً بأوهامٍ رقيقةٍ
وتبكينا أخرى بمرارةِ العمى

يا سائراً بين الخيالِ وبينَ اليقين
خذ من حكايا الليلِ درسَ العابرين
كم من وجوهٍ لامعةٍ نراها
وفي السرائرِ يخنقُ الحزنُ الحنين

أقنعةٌ تُمسي كالأقمارِ في السماء
لكنها تسقطُ إن داعبها الهواء
فلا يبقى إلّا جوهرٌ متصدّعٌ
تفضحه لحظةُ صدقٍ أو دعاء

إنّ الجمالَ ليسَ فيما نُبصرُه بعيوننا
بل في الصدقِ الهاجعِ خلفَ جفوننا
إنه النورُ المكنونُ في أرواحنا
ينبتُ زهراً لا تذروه السنونَ

فانهضْ، واصغِ إلى النداءِ المستتر
في كلّ قلبٍ، في كلّ جرحٍ ينكسر
تأمّلِ الوهمَ، وانظر ما وراءهُ
تجدْ حقيقةً تضيءُ الدربَ وتنتصر

شظايا خفية تختبئ في الصدور
وزينة زائفة تعلو الجدران والقصور
انقلابات الروح تمضي في خفاءٍ
وبريق خادع يعمي العيون والنُّظُر

أوشحة الوهم تنسج فوق الجراح
تستر عمقَ الوجود بما فيه من شَحاح
مظاهر حسنٍ تُجمّل ما انكسر
وسعادة سطحية تخفي وجع الأرواح

براعم تتزيّا كزهورٍ متفتّحات
وأغاني خداعٍ تُغرقنا في سبات
حُليّ مزيّفة تُغطّي مواجعنا
وأعلامٌ ملوّنة تخفي خواء الحياة

معمودية الزيف تحوّل الندوبَ جمالاً
ومساحيق سطحٍ تُداوي الألمَ هزالاً
بلسمٌ عابر يسكّن الجروحَ خِداعاً
لكن الحقيقة تَنفجرُ فجأةً وبَغتةً

نبضات فوضى في القلب تُرتّل نغماً
وتُطرّز أوهاماً كأنّها وِئاماً وحُلَما
مساحيق المظهر تُسعفُ لحظةً بالسراب
ثم تقتحم الحقيقةُ كالسيف في الظلام

أغصانٌ هشةٌ تُقدَّم كأنّها أزهارٌ بديعة
وضعةٌ تُلبَس ثوبَ الفضائل الرفيعة
قيمٌ معكوسة تقلب الموازينَ جهراً
وتُربك النظامَ وتزرع الضياعَ سريعة

حصون الأكاذيب تُشيَّد كالجدار
وتُبنى قلاعٌ تصدّ الحقيقةَ عن القرار
مروجٌ حالمة تُخفي وراءها وحشاً
تُظهر مثالية وتُخفي تناقضاتٍ كالنار

بركاتٌ مزيّفة تمنحُ هدوءاً زائلا
تُبعد القلقَ لحينٍ بنعومةٍ خادعةٍ هازلة
نستسلم في مهد الخداع غافلين
فنهوى بين حُلمٍ وحقيقةٍ متمايلة

تتزيّا التجديفاتُ في ثياب الصلاة
وتُبارك رياءَ النفوس بخُدع الحياة
زينة أرواحنا تغلّف ضعفها الخفي
وتُطرّز حافةَ الهاوية بألوان النجاة

لكن شظايا الصدق تخترقُ الحجاب
ويسقط قناعُنا وسط الضباب
شجاعةٌ زائفة تنهار سريعاً
فتنكشف حقيقةُ الخوف والارتياب

زارعو الرؤى يغرسون بحكمةٍ وبصيرة
ويزرعون للأجيال تراثاً وأثيرة
يبنون ميراثاً لا تراه العيون
لكنّه للأبد هبةٌ للحضارة الكبيرة

مواطنون أوفياء يبدؤون البناء
في مشاريع لا يرون لها انتهاء
يعهدون المستقبلَ لأيدٍ تليهم
ويثقون أن الجهدَ يحمل الرجاء

خالقو الظلال الحانية يخطّون مأوى
ويُقيمون ألحان الغد لتغدو نجوى
يصوغون للجمال شكلاً جديداً
ويهندسون غداً مشرقاً للهوى

بُناةُ الجدران يفنون العمرَ في الحجارة
يعلمون أنّهم راحلون نحو النهاية
لكنّهم يمضون في العمل المقدّس
يتركون للأرض إرثَ القداسة والبقايا

حملة الحكمة يحرثون العقول
ويزرعون بذوراً كالجواهر في الحقول
يعهدون للزمن أن يُنبتها يوماً
ويثقون أن الحصادَ وعدٌ لا يزول

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق