خريفُ عمري أهدَتِ الأيَّامُ حِكَمِي وَمَضَتْ تُعَلِّمُنِي وُقُورَاتِ القَلَمِ وَجَرَتْ جَرَاءَ الفَتَى فَغَدَا هَوَانِي فَأقَمْتُ فِي حِضْنِ الحَنَانِ عَلَى قَدَمِ
وَأَتَى صَبَاحٌ لاحَ يَكْسُو خُطْوَتِي ضَوْءَ الرِّضَا وَيُرِي الجَمَالَ بِلَا نِعَمِ وَرَأَيْتُ عُرْيَ الشَّجْرِ يُبْدِي سِرَّهُ أَنَّ الجَمَالَ بِغَيْرِ زِينَتِهِ أَعْمِي
وَمَضَى جُنُونُ الأَمْسِ حَتَّى أَخْمَدَتْ رُوحِي لِتَطْلُبَ جَوْهَرًا أَبَدًا يَقِيمِ وَهَجَرْتُ زَهْوَ العَيْشِ حَتَّى أَسْكَنَتْ رُوحِي بِوَسْطِ الحَالِ فِي عَيْشٍ قَسِيمِ
وَتَعَلَّمْتُ الصَّمْتَ أَسْمَعُ نَفْسِيَ وَأَذُوقُ سِحْرَ اللَّحْظَةِ الهُدْبِ الحُلُمِ وَشَمْسُ مَغْرِبِي أَرَخَتْ رِدَاءَ عَفْوٍ وَالسَّمْحُ يُسْلِي الرُّوحَ فِي لَحْنٍ نَغِيمِ
وَمُرُورُ أَيَّامِي حَوَى رَحِيقَهَا وَالقَلْبُ حَافِظُ كُلِّ فَنٍّ مُكْرَمِ وَتَخَلَّصَتْ نَفْسِي مِنَ الضَّوْضَاءِ حَتَّى أَصْغَيْتُ لِلصَّحْبِ القَرِيبِ عَلَى قَدَمِ
وَرَفَعْتُ عَيْنِي لِلْمَدَى فَتَسَاوَتْ عِنَايَةُ الصَّغِيرِ وَالعَظِيمِ فِي انسِجَامِ وَثَبَتُّ فِي وَجْهِ الرِّيَاحِ وَرَسْمُهَا فِي الصَّحْفِ يَخْطُرُ حَافِرًا أَثَرَ القِيمِ
وَشَرَفُ الرُّوحِ المُصَفَّى زَادَنِي عِطْرَ الزَّمَانِ وَرِقَّةَ القَلْبِ الكَرِيمِ حَتَّى بَلَغْتُ تَاجَ نُضْجٍ رَائِقٍ وَسَمِعْتُ أَلْحَانَ المَسَاءِ عَلَى نَغِيمِ
فَهَذَا حَصَادُ العُمْرِ أَزْهَرَ بَعْدَ أَنْ عَبَرَ الزَّمَانُ وَقَدْ تَسَلَّحْتُ بِالحِكَمِ وَصِرْتُ فِي مَأْوًى بَعِيدٍ هَادِئٍ أَهْدِي الرَّحِيقَ لِمَنْ تَبَوَّأَ فِي حُشَمِ
وَنَجْمُ قَلْبِي فِي الظَّلَامِ دَلِيلُهُ وَالوَقْتُ حَانَ لِقَبُولِ مَا جَرَى بِفَهْمِ وَقَوْسُ عُمْرِي شَيَّدَتْهُ صَابِرًا حَتَّى تَمَامَ العَهْدِ فِي عِزٍّ وَحِمْيِ
خريفُ عمري أهدَتِ الأيّامُ حِكمـي وفـي دُروسِ الدهرِ أشرَعتِ القَلَمـي جـرأةُ الفتـى ولّتْ وأبصرتِ المُنى فـأقمتُ فـي حضنِ الحنـانِ علـى قُدُمـي
وفجـرُ صبـحٍ لاحَ يكسـو خطوتـي ضوءَ الرضا، ويُري الجمالَ بلا نِعَـمـي والشجـرُ العاري يُنادي سِرَّهُ أنَّ الجمالَ بغيرِ زينتِهِ أعَمـي
ومرُّ عمري أذْهَبَ السَّفهَ القديمَ فغدوتُ أطلبُ جوهرًا أبـدًا يقـيمـي هَجرتُ زهوَ العيشِ، أسكنُ وسطَهُ وأحببتُ البِساطَ كنـزَ مَعيشَتـي وعَـمـي
وتعلّمتُ الصمتَ، أسمعُ أنفسي وأذوقُ سِحرَ اللحظـةِ الهُـدبِ الحُلُـمـي وشمسُ مغربي ترميني بعفوِها وسمـاءُ نـورٍ تُسلّي الروحَ فـي الألَـمـي
مُرارةُ الأمسِ انقلبنَ رحيقَها والقلبُ صانَ لكلِّ فنٍّ أعظَمِـي تحررتُ من ضوضاءِ عيشٍ جائرٍ وأصَختُ سَمعي للقريبِ علـى قَـدَمـي
فارتقى نظري إلى بُعدِ المدى يحتضنُ الصغيرَ معَ العظيمِ في انسجـامـي وثبَتُّ رغمَ الريحِ، أرسمُ خطوتي والحقُّ يَخطُرُ في صحائِفِ أيّـامـي
شرفُ الروحِ المُصفّى زادَني عِطـرَ السنينِ وأعطَفَ القلبَ الغَشِيمـي وبلغتُ تاجَ النضجِ، أسمعُ لحنَهُ مساءً يُغنّيهِ هدوءُ مُسَلَّمِـي
فهَذا حصادُ العمرِ، أزهَرَ بعد أنْ عبرتُ هاويةَ الزمانِ على حِكَمـي وصِرتُ في مأوى بعيدٍ هادئٍ ألقى الرحيقَ لمن تبوّأَ في حِشَمـي
ونجمُ قلبي في الظلامِ دليلُـهُ والوقتُ حانَ لِقَبولِ ما جَرى بفَـهْمـي وقوسُ عمري شيّدتهُ صبرَ يـدٍ حتى تمـامَ العَهدِ، أكـرمَ قَسَمـي
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق