الأربعاء، 19 نوفمبر 2025

ميزان الأصيلِ

 

تَهامَسَ فِكري والمَسـاءُ بِسِرِّهِ
فأشرَقَ في صَدرِي نُقـاءُ نَهـارِ
وأومَضَ حِسّي حينَ جالَ بخاطِري
مَدى خُطُواتٍ في طُولِ مَسارِ

فكَيفَ لفَهمٍ أن يَصونَ نَفاستي
إلّا بِميزانٍ يَسودُ ميزان وِقارِ
ومَن لم يُمَيّزْ دربَهُ في صَحيفَةٍ
تَراهُ يَتيهُ بَينَ ظِلٍّ وغُبارِ

تَفَتَّحَ معنى الصِّدقِ في أُفقِ رُوحٍ
تُداري جَمالاً في الخَفاءِ يُدارِ
ومَا صاغَتِ الأيّامُ إلّا حِكمةً
تُضيءُ لِقَلبٍ عاشَ دونَ ادِّكارِ

فجِئتُ أُقَدِّمُ نَبضَ خُلاصةِ فِكرَتي
لِتَسمُو مَعانيها بِرَحبِ اقتدارِ
لِتَشرَعَ أبوابُ القصيدةِ ناعِمًا
وتَعبُرَ ما بَينَ السُّطورِ بِوَقارِ

ولا تستعر وهجاً يلوّح زائفاً
فالزيف يوم الوغى سرابٌ هزيلُ
واجعل لنفسك منزلًا في رفعةٍ
فالرفق بالروحِ إن صفا جميلُ

واصدق إذا همس الضمير بحكمةٍ
فالصدق دربٌ للثبات دليلُ
والناسُ أعناقٌ تطولُ لغايةٍ
لكنهمُ عند الحقيقة قليلُ

ما كل برقٍ لاح يغري متبعاً
فالبعض برقٌ ضاع منه السيلُ
وازرع خُطاك على التؤدة التي
يبقى عليها للمحب نزيلُ

إن الصفاء يظلُّ أصدق منطقٍ
حتى وإن ضجّت بهدوئك ميلُ
وأبدى مسيرك بالسكينة دائماً
فالليل مهما طال يعقبه سبيلُ

وقد يستبيحُ الظنُّ دربَ حكيمِهمْ
لكنّ صفوَ الحقِّ ليس ينيلُ
فانظرْ إلى الأيام كيف تدورُ 
لا تُبقي سوى نهجٍ أمينٍ أصيلُ

كم زايدوا قولاً يلوّحُ بالغنى
والفعل عند الصدق لا يستطيلُ
وارحلْ إلى ذاتٍ تُفيضُ ترفّقاً
فاللطف نهجٌ في المتين جميلُ

إنّ المعاني حين تُمحّص تظهرُ
والزيف مهما زيّنوهُ ذليلُ
لا تغتررْ بوميضِ وعدٍ غائبٍ
فالضوء مهما لاح ليس بديلُ

وامضِ على خُطُطِ الرشادِ مثابراً
فالحقُّ لا ينهارُ وهو دليلُ
والدهرُ يطوي كلَّ دربٍ شائكٍ
لكنّهُ يُبقي لحرصِكَ سُبيلُ

وحينَ يطولُ السيرُ يَصفو دربُهُ
فالنورُ ينهضُ إنْ تبدّى قليلُ
وتبدو خُطانا في اتّساقٍ ناعمٍ
تَهفو لصدقٍ عند رشيدٍ يميلُ

ما عادَ للدربِ المُشتّتِ هيبةٌ
إنْ لم يكنْ في لُبّهِ عقلٌ جليلُ
فالعزمُ يحفظُ ما توهّجَ داخلًا
ويسوقُ ما ضلَّ المسيرُ نزيلُ

كم رافقَتنا في الطريقِ ملامحٌ
ثم اختفتْ، والنبضُ منها بديلُ
لكنّ في صمتِ التجاربِ حكمةً
تبقى، ولو ناحَ الأسى، لا تزولُ

هذي المعاني بعدَ شتّتِ بينِها
تلتفُّ حولَ صفائها لتقولُ
إنّ الجميلَ يظلُّ أصدقَ مَنهجٍ
ما دامَ في صدرِ الأصيلِ أصيلُ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق