فِي رِحْلَةِ الْعُمْرِ نَمُرُّ بِمَنْعَطَفَاتٍ كَثِيرَةْ وَنَعْبُرُ دُرُوبًا وَعِرَةً وَأُخْرَى يَسِيرَةْ نَسْقُطُ أَحْيَانًا وَنَنْهَضُ مِنْ جَدِيدٍ فَالْحَيَاةُ مَدْرَسَةٌ لِلنَّفْسِ الصَّبُورَةْ
وَمَا بَيْنَ الْيَأْسِ وَالْأَمَلِ تَتَأَرْجَحُ الْخُطُواتُ وَتَتَصَارَعُ فِي الْقَلْبِ الْهَوَاجِسُ وَالثَّبَاتُ لَكِنَّ مَنْ يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ جَذْوَةَ رَجَاءٍ يَجِدُ فِي كُلِّ ظَلَامٍ فَجْرًا لَهُ آتٍ آتُ
تَعَالَ نَسْبَحْ فِي بِحَارِ الْمَعَانِي الْعَمِيقَةْ وَنَقْطِفْ مِنْ بَسَاتِينِ الْحِكْمَةِ ثِمَارًا أَنِيقَةْ فَكُلُّ بَيْتٍ هُنَا نَافِذَةٌ نَحْوَ الضِّيَاءِ وَكُلُّ كَلِمَةٍ جِسْرٌ إِلَى حَقِيقَةٍ رَقِيقَةْ
سَتَسْمَعُ فِي الْأَبْيَاتِ نَبْضَ الْحَيَاةِ الدَّافِقَا وَتَلْمَسُ فِي السُّطُورِ إِحْسَاسًا صَادِقَا قِصَّةُ كُلِّ إِنْسَانٍ يَبْحَثُ عَنْ مَرْفَإٍ وَيَزْرَعُ فِي الْأَرْضِ الْجَدِيدَةِ حُلْمًا رَائِقَا
يُزْهِرُ الرَّجَاءُ كَبُرْعُمِ شُبَاطٍ فِي الْغُصُونِ بَوَادِرُ النُّورِ بَعْدَ انْسِدَادِ الدُّرُوبِ وَالْمَتُونِ وَعْدٌ بِأَنَّ الْغَرْسَ يَنْمُو وَيَعْلُو شَامِخًا حَتَّى وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ بَعِيدَةِ الْمَكْنُونِ
هُنَاكَ فِي الْأُفُقِ الْبَعِيدِ تَلُوحُ أَضْوَاءٌ خَفِيَّةْ تَهْمِسُ لِلْقَلْبِ الْمُتَعَبِ، لَا تَزَالُ الْفُرْصَةُ حَيَّةْ فَكُلُّ نِهَايَةٍ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا بِدَايَةً وَكُلُّ سُقُوطٍ يُعَلِّمُ النَّفْسَ كَيْفَ تَكُونُ قَوِيَّةْ
الْمَسَافَاتُ الطَّوِيلَةُ لَا تُخِيفُ الْعَزْمَ الصَّادِقَا وَالْجِبَالُ الشَّامِخَاتُ لَا تَصُدُّ مَنْ كَانَ وَامِقَا إِنَّ الْإِصْرَارَ يَصْنَعُ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ مَمَرًّا وَيُحَوِّلُ الْحُلْمَ الْبَعِيدَ حَقِيقَةً وَبُرُوقَا
يُزْهِرُ الأَمَلُ كَالبُرْعُمِ فِي شُبَاطِ نَضِيرْ بَشَائِرُ بَعْدَ دَرْبٍ مُوصَدٍ وَعَسِيرْ وَعْدٌ بِأَنَّ الشَّجَرَ الْيَانِعَ قَدْ يَزْدَهِرْ حَتَّى وَلَوْ غُرِسَ فِي تُرْبَةِ الْمَنْفَى الْكَبِيرْ
وَمَا الْحَيَاةُ سِوَى دَوْرَاتِ تَجْدِيدٍ عَجِيبَةْ تَنْبُتُ مِنْ رَمَادِ الْمَاضِي بُذُورٌ طَيِّبَةْ وَيَنْبَثِقُ الضَّوْءُ مِنْ أَعْمَاقِ لَيْلٍ دَامِسٍ لِيَرْسُمَ لِلْغَدِ الْآتِي طُرُقًا مُسْتَطَابَةْ
فَلَا تَيْأَسْ إِذَا مَا هَبَّتِ الرِّيحُ عَلَيْكَ وَزَلْزَلَتْ أَرْضُ الْأَحْلَامِ تَحْتَ قَدَمَيْكَ فَكُلُّ عَاصِفَةٍ تَمْضِي وَتَتْرُكُ فِي الْفَضَاءِ فُسْحَةً لِلشَّمْسِ كَيْ تَبْسُطَ نُورًا حَوْلَيْكَ
وَكَمْ جَذْرٍ تَشَبَّثَ فِي الصُّخُورِ الصُّلْبَةِ وَشَقَّ طَرِيقَهُ رَغْمَ الظُّرُوفِ الصَّعْبَةِ لِيُثْبِتَ أَنَّ إِرَادَةَ الْحَيَاةِ إِذَا انْدَفَعَتْ تَصْنَعُ مِنَ الْمُحَالِ مَعَاجِزًا مُذْهِلَةْ
فَأَصْغِ بِقَلْبِكَ قَبْلَ سَمْعِكَ لِلْكَلَامِ وَدَعْ رُوحَكَ تَرْقُصُ مَعَ إِيقَاعِ النَّظَامِ فَهَذِهِ رِحْلَةٌ فِي دَوَاخِلِ الْوُجُودِ حَيْثُ الْأَمَلُ يَتَفَتَّحُ كَالْوَرْدِ فِي الْأَكْمَامِ
فَلْتَتَجَذَّرْ فِي الثَّرَى مَهْمَا تَقَلَّبَتِ الْفُصُولُ وَلْتَنْتَصِبْ شَامِخًا رَغْمَ اشْتِدَادِ الْخُطُوبِ فَالنَّخْلَةُ الْعَالِيَةُ تَصْمُدُ أَمَامَ الْعَوَاصِفِ وَتُثْمِرُ طَيِّبًا رَغْمَ جَفَافِ السُّهُولِ
الْغُرْبَةُ لَيْسَتْ سِوَى مَحَطَّةٍ فِي رِحْلَةِ الْوُجُودِ وَالتَّشَتُّتُ قَدْ يَكُونُ بِدَايَةَ اللِّقَاءِ الْمَنْشُودِ فَكَمْ مِنْ بَذْرَةٍ طَارَتْ بَعِيدًا عَنْ مَنْبَتِهَا لِتَجِدَ فِي التُّرْبَةِ الْجَدِيدَةِ خَيْرَ مَوْعُودِ
فَهَكَذَا تَسْتَمِرُّ رِحْلَةُ الْإِنْسَانِ الْمُبْدِعِ يَزْرَعُ فِي كُلِّ أَرْضٍ حُلْمًا مُتَرَفِّعِ لَا تُثْنِيهِ الْمَسَافَاتُ عَنْ مَقْصَدِهِ الْأَسْمَى وَلَا تَكْسِرُهُ الْعَوَاصِفُ مَهْمَا كَانَتْ تَفْزَعِ
وَإِنْ تَبَدَّلَتِ الْأَمْكِنَةُ وَالْوُجُوهُ مِنْ حَوْلِهِ فَجَوْهَرُ الْإِنْسَانِ يَبْقَى ثَابِتًا فِي أَصْلِهِ شَجَرَةٌ حَمَلَتْ جُذُورَهَا إِلَى آفَاقٍ بَعِيدَةْ لِتَنْشُرَ أَغْصَانَهَا فِي سَمَاءٍ جَدِيدَةْ حَوْلِهِ
فَلْنَحْتَفِ بِالْأَمَلِ الَّذِي يُزْهِرُ فِي الصُّدُورِ وَنُضِيءُ شُمُوعَ الْإِيمَانِ فِي لَيْلِ الدُّهُورِ فَمَا دَامَ الْقَلْبُ يَنْبِضُ بِالْحُبِّ وَالْعَطَاءِ فَسَتَظَلُّ الْحَيَاةُ تَتَجَدَّدُ مَعَ الشُّرُوقِ وَالْبُدُورِ
وَلْتَكُنْ كُلُّ نِهَايَةٍ بِدَايَةً لِعَهْدٍ جَدِيدٍ وَكُلُّ وَدَاعٍ مَوْعِدًا لِلِقَاءٍ سَعِيدٍ فَالْكَوْنُ يَدُورُ فِي دَوَائِرِ التَّجَدُّدِ الْأَبَدِيِّ وَمَا كُلُّ غُرُوبٍ إِلَّا وَعْدٌ بِفَجْرٍ وَلِيدٍ |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق