الخميس، 16 أكتوبر 2025

لحنَ ختامٍ

يا نفحةَ الروحِ في أسحارِها الساميةْ
يا نجمةً تشرقُ الأحلامُ في ناميةْ
يا بسمةً تُزهرُ الآمالُ في فجرِها
يا لمعةً تُبدِدُ الأوهامَ داميةْ

يا لحنَ وجدانِنا في صمتِ ألحانِه
يا قُدسَ أسرارِنا في سرِّ وجدانِه
يا قبسًا يُوقِدُ الأرواحَ في شغفٍ
ويزرعُ النورَ في أنفاسِ إنسانِه

يا زهرةً فاحَتِ الأنغامُ من عبقٍ
تُسقِي القلوبَ وتروي نبعَ مُنطلقِ
يا بلسمًا يَمسحُ الجُرحَ الذي احترقَ
يا دفءَ أنسامِنا في حضنِ مُشتهقِ

يا قبلةً للمعاني في شواطئها
يا صحوةً في الدروبِ الغامضاتِ بها
يا نبضةً في عروقِ الحرفِ منتشيا
يا لهفةً في رُؤى الأرواحِ مُصطفى

يا نورَ فجرٍ يُضيءُ الدربَ في سفرٍ
ويوقظُ العزمَ في الأجيالِ والظُفُرِ
يا وهجَ حبٍّ يُغنّي للحياةِ هدىً
ويزرعُ الخيرَ في الأفراحِ والقدرِ

يا مُلهِمَ الشعرِ في أرجاءِ قافيتي
يا سامرَ الحلمِ في ألحانِ نغمتي
يا سرَّ وجدي، ويا إشراقَ بهجتي
يا ملجأَ الروحِ في أسرارِ خلوتي

يا سلسبيلَ المدى، يا جدولَ العبرِ
يا موجةً من صفاءٍ تَسكنُ الفكرِ
يا سِحرَ كونٍ يفيضُ الحبَّ في ألقٍ
ويُطلِقُ الطيرَ حرًّا من سجونِ الأسرِ

يا أيها الشعرُ في أفقٍ له ازدهرَ
يا موكبًا من ضياءٍ بالمنى عبرَ
جئنا نغنّي جمالَ الكونِ في لغةٍ
تسبي الفؤادَ، وتُحيي روحَ من حضرَ

جميلاتٌ باسقاتٌ تهدهدنَ الوقارَ
وضبابٌ أبيضٌ يسكبُ الانشراحَ مدرارَ
غمامٌ غامضٌ يحطّمُ بوحشيةٍ السكونَ
ولُمعٌ عابراتٌ تطحنُ التوافهَ والدُّونَ

براءاتٌ طاهرةٌ تنشدُ المحبّةَ سرورا
وتعقيداتٌ تبني التأملَ نورا
ضمائرُ صافيةٌ تزرعُ فضولَ العيونِ
وكائناتٌ خلاقةٌ تُبدعُ كَونًا مصونِ

اكتشافاتٌ رقيقةٌ تمزّقُ ليلَ الغياهبِ
وكثافاتٌ شفافةٌ تذيبُ عسيرَ المتاعبِ
أبعادٌ متنوّعةٌ تُثري تنوّعَ الحياةِ
وعقائدُ جازمةٌ تُشيعُ طاعةَ النجاةِ

ألغازٌ أنيقةٌ تزلزلُ بداهاتٍ باهتةً
وتيَهٌ متكسّرٌ يُغني التجاربَ الدافئةَ
جواهرُ أثيريّةٌ تؤسّسُ خلودَ الزمانِ
وتطوّراتٌ بيّنةٌ تُوقظُ دهشةَ الكيانِ

ضعفٌ متهالكٌ يمنحُ بناءَ البداياتِ
وهشاشةٌ صادقةٌ تعبرُ حدَّ الغاياتِ
تردّداتٌ خفيّةٌ تصوغُ ألفةَ القلوبِ
وغرورياتٌ زائلةٌ تذوبُ في ختامِ الدروبِ

بذورُ النشأةِ تبرعمُ في ارتقاءٍ رحيمٍ
ونِعمٌ جزيلةٌ تضمنُ إنباتًا كريمٍ
نماءاتٌ مجانيّةٌ تصعدُ فرِحةَ الخطى
وهداياتٌ ساميةٌ تدورُ حنونةً ضُحى

تواضعاتٌ سعيدةٌ تسكنُ رحابَ الأفقِ
وفرضيّاتٌ عابثةٌ تؤرقُ عاداتِ الخلقِ
مواريثُ خارجةٌ تمجّدُ إنسانيّاتٍ عليّةً
وانسجاماتٌ ساميةٌ تُهذّبُ وحشيّاتٍ قويّةً

جهالاتٌ بريئةٌ تُلهمُ سُبلَ الاكتشافِ
وأوهامٌ لامعةٌ تغمرُ نبعَ الخيالِ الرصيفِ
شكوكٌ عذراءُ تُضاعفُ نهمَ الاهتمامِ
وبصائرُ حميميّةٌ تدعو لعمقِ الانسجامِ

شباباتٌ مبهجةٌ تتفجّرُ فتًى نديّا
وعدالاتٌ ناصعةٌ تكبحُ رياءً خفيّا
جمالاتٌ بديعةٌ تعلو شلّالاتِ الضياءِ
وأحكامٌ حكيمةٌ تُبرّرُ فيضَ العطاءِ

ثغراتٌ حرّةٌ تطلقُ أسرارَ الانعتاقِ
وحدودٌ خفيفةٌ تُزيحُ ثِقلَ الأوراقِ
منطقٌ صافٍ يُبيدُ سرابَ المرايا
وأنوارٌ مشعّةٌ تُسبّحُ صدقَ الهدايا

ها قد ختمنا بآبيات مُزهّرةٍ
تُسقي القلوبَ بألحانٍ مُعطّرةٍ
فتنثني الأرضُ في وجدٍ وفي طربٍ
ويشرقُ الحلمُ بالأضواءِ مُزدهِرةٍ

يا رحلةَ الروحِ في أسرارِها العُليا
يا منبعَ الخيرِ في تيهٍ وفي بُليا
قد أزهرت كلماتُ الحُبِّ باقيةً
تسعى لتُحيي فؤادًا باتَ مَسلوبيا

يا جَوقةَ الشعرِ في أنغامِها الوَلهى
يا قبلةَ الروحِ في آفاقِها البَهيا
نمضي ونتركُ للحرفِ الذي صَحِبَت
أصداءَ نورٍ تُغنّي المجدَ والأمنيا

ها نحنُ نطوي كتابًا ظلَّ مُزدهرا
يَحكي عن النورِ في ليلٍ قد انكسرا
لكنّهُ بالبيانِ الساطعِ اكتملَت
فيه البداياتُ والأحلامُ والظُهرا

يا أيها القارئُ المصغي لنبضتِنا
اشربْ من المعنى صفاءً في محبتِنا
فالشعرُ ماءُ قلوبٍ لا نضوبَ لهُ
يزرعُ الندى في بساتينِ الأمانِ بنا

قد كانَ دربُ الحروفِ اليومَ موكبَنا
يزهو بألوانِه في الحُسنِ مُذهِبَنا
والكونُ يرقصُ أنغامًا مُرصَّعةً
حينَ استضاءَ بآياتٍ تُعانقُنا

نمضي ونُهدي إلى الأيامِ قافيَةً
تَسمو بأحلامِنا في دربِنا الوادِعِ
كي تَحملَ الريحُ في أفقٍ رسائلَنا
فتَستقيمَ بها الأرواحُ في المَطالعِ

يا لحنَ ختامٍ بديعٍ في تغرّدِهِ
يا خُلدَ شعرٍ تلألأ في تردّدِهِ
تبقى القصائدُ أنغامًا مُكلّلةً
تُهدي البشائرَ للأرواحِ في وُجُدِهِ

 

القُلوبُ الصّافِياتُ

يا روحَ شعرٍ تَسامَتْ في مَداراتِ
تَخطُّ بالنورِ أسْرارَ الحَكاياتِ
تُهدي الحروفَ بَريقًا في مَواسمِها
فَتَزرَعُ الوَجدَ في أَحلى تجلِّياتِ

سَرتِ المعاني كأطيارٍ مُحلِّقةٍ
تَغفو على الغيمِ أو تَحيا على الذِّكْراتِ
تَروي الحنينَ بِماءِ الصَّفوِ مُبتَسِمًا
وتَمنحُ القلبَ إشراقًا وإشهاداتِ

في كلِّ بيتٍ تَرى الأرواحَ مُزهِرةً
وفي القَوافي شُعاعُ الحُلمِ واللذّاتِ
صُورٌ تُناغي مدى الأعماقِ مُرهَفةً
كالعِطرِ يَنفَحُ أرواحًا مُخمَّراتِ

يا نَغمَ الحرفِ، يا نَسرينَ مُلتَحِفًا
بِرداءِ فِكرٍ وتَيجانِ السَّماواتِ
جِئتَ الحياةَ فكنتَ النبعَ مُتَّقِدًا
تَسقي الفُؤادَ وتُحيي سِفرَ نَجواتِ

يا أيّها الشِّعرُ، يا مِحرابَ مَعرفَةٍ
يا مُشرِقَ الفَجرِ في أبهى البَداياتِ
إليكَ نَرفعُ أنغامَ القلوبِ هوىً
نَحو العُلا، بضياءِ الحُبِّ، غاياتِ

جهالاتٌ صامتةٌ تُنشدُ الأسرارا
أسرارٌ عَجائِبُ تُكثرُ الأنوارا
مَجاري الحراكِ تُقيمُ البهاءَ جمالًا
نُضجٌ رفيعٌ يُغيّرُ الأطوارا

بَراءاتُ نُبلٍ تُغذّي الرحيقا
جهلٌ سَويٌّ يُهملُ الطريقا
ألوانُ جِدّةٍ تُنمي الجديدا
وطَبعٌ عارٍ يُبطلُ الضغينا

ظُلماتُ عِزٍّ تُرتّبُ النِّظاما
وظلالُ فَتحٍ تُوجّهُ المراما
فُرَصٌ تُديرُ الجموعَ بعَزفٍ
خياراتُ وَضحٍ تَفتَحُ الأنساما

حَيرَاتُ صِدقٍ تُعلنُ الإمكانا
أعماقُ سِلمٍ تَمدّ الزمانا
آفاقُ مَجدٍ تَغترفُ القُدراتا
وصُبرُ طَموحٍ يَحملُ الوُعدانا

أسئلةٌ تَبحثُ عن سَكينةِ روحٍ
سكينةٌ تُحصي جَوهَرَ الصروحِ
رِحلاتُ شكٍّ تَمنحُ الصِّفاتِ
أسئلةُ صَمتٍ تُغادرُ الجُروحِ

تَركٌ كريمٌ يُذيبُ الضغائِنا
رِضا حَكيمٌ يُعيدُ السَّكائِنا
قَطعٌ بديعٌ يَفدي الغُفرانا
وكَشفُ نورٍ يُحيي الإحسانا

فُرقةُ سَلمٍ تُقدّسُ حِكمه
صَمتٌ رفيعٌ يُخفّفُ وِسمه
حَلولٌ لَطافٌ تُبَدّدُ أَلما
ورُوحُ صَفاءٍ تُثيرُ النِّعما

نِهاياتُ وُدٍّ تُحوّلُ بُؤسا
عبورٌ صَريحٌ يُجاوِزُ نَحسا
هُدوءُ ريفٍ يُداوي الجراحا
وعِلمُ رُوحٍ يَنسُجُ الإفصاحا

وَحداتُ خَتمٍ تُوَحّدُ الأناما
رُؤى خيالاتٍ تُعمّرُ العالما
إجماعُ ناسٍ يَبلى مع الأيّاما
وكونُ وَفقٍ يُوَحّدُ النِّعما

أحكامُ صِدقٍ تُعلي الفُتوحا
حِراسُ وعيٍ يُنعشُ الصُّروحا
إراداتُ عَزمٍ تُثبّتُ حقّا
وفُنونُ رَوحٍ تَهزُّ القُوّحا

يَا نَبعَ حِكمَةِ أرواحٍ مُضيئَتنا
يَا سِفرَ نُورٍ يُجدّدُ فينَا حَياتَنا
قد كُنتَ لَحنًا يُسامِي كلَّ مَعرِفَةٍ
ويَجمَعُ الحُلمَ في سِرٍّ وفَيضَ هُدَاتِنا

سَطَعتْ قَوافِي الوَرى مثلَ الكَواكبِ في
لَيلٍ يُغنّي على آفاقِنا النَّدِياتِ
فَأيقَظَتْ نَغَماً يَجري بمَجدِ هُدًى
وَزَيَّنَتْ طُرُقَ الأرواحِ بالآيَاتِ

يَا صَوتَ حُبٍّ تُنادِي كلَّ سامِعَةٍ
فَتَستَجيبُ القُلوبُ الصّافِياتُ نِداءَ
تَظلُّ ألحَانُهُ في البُعدِ مُشرِقَةً
وتَسكُنُ الرُّوحَ في أنقى التَجَلّياتِ

هَذا خِتامٌ ولَكِن في مَدَى الكَلِمِ
بَدايَةٌ تُنذِرُ الأكوان بالآتي
فَكُلُّ بيتٍ سَيُولَدْ مِثلَ أغنِيَةٍ
تَحيا وتَنبُضُ في تَاريخِنا الحَياتِ

فَلتَحمِلِ الرُّوحُ ما جَاءَتْ قَوافِينَا
بِشَارةَ الحُبِّ في أفراحِ دُنيانا
وَلْنَترُكِ الشِّعرَ يَجري مثلَ مُرتَحَلٍ
نَحوَ الخُلودِ، وَيُحيي الوَجدَ رَوحَانَا

 

 روحَ القوافي

أيا روحَ القوافي في سماواتِ البيانْ
تعالي نُشعلُ الكلماتِ نارًا في الجَنانْ
ففي الحرفِ أسرارٌ، وفي السطرِ بهاءْ
وفي ومضةِ الشعرِ ارتقاءٌ للأكوانْ

سَرَت أنفاسُ مِسكٍ من ضميرِ البديعْ
فأورقَ في وجداننا زهرٌ وريعْ
وأقبلَ نهرُ الحرفِ عذبًا سائغًا
يُعانقُ أرواحَ القُرّاءِ صبحًا بديعْ

هنا تبدأُ الألحانُ في نسجِ الخلودْ
ويُصبحُ بيتُ الشعرِ مجدًا لا يَبُودْ
فكلُّ قَصيدٍ يفتحُ الكونَ رُؤًى
ويُوقدُ في الدربِ العتيقِ ألفَ وُعودْ

هنا يستفيقُ الحبرُ من صمتِ الغُيُوبْ
ويغدو صراطًا نحو أسرارِ القلوبْ
فتنهضُ في لحنِ البديعِ حكايةٌ
تُجمِّلُ وجهَ الدهرِ في حللٍ قُصُوبْ

فيا قارئَ الأشعارِ كنْ روحًا تُصغِي
إلى نبضِها الدافقِ كالماءِ الصَّفِي
ففي كلِّ بيتٍ صُنعَتْ آيةُ هُدى
وفي كلِّ معنى وحيُ صبحٍ نَقِي

تأمَّلْ قَلمًا يرسمُ في الورقِ الخُطوطْ
فتنتظمُ الأفكارُ في جندٍ نُبُوطْ
وتجتمعُ الألفاظُ نحوَ البوحِ سُرًّا
فتُبنى الغابةُ صبرًا وشموخًا وثُبوتْ

وانظرْ إلى مِحبرةٍ في أرجوانٍ تَجَلَّتْ
فالمفاهيمُ تصطفُّ كأنَّ الصفَّ جَلَتْ
والعباراتُ تمتدُّ لأُفقٍ مُسْتَتِرْ
فتنمو الأغصانُ حُكمًا كقضاءٍ قد تَجَلَّتْ

واسمعْ لِبرديٍّ يُصغي لاعترافِ الحروفْ
فتصفو الأفكارُ جوهرًا بلا شوْبٍ ولا صُدوفْ
وترتقي الفقراتُ نحوَ معارجِ السُّموِّ
فتنكشفُ الغابةُ أمرًا نبيلاً بغير حُجوفْ

وانظرْ إلى الحرفِ في منحًى بديعٍ مُتقَنِ
تتبدَّلُ الأفكارُ نُطقًا يَسْتنيرُ المُعلَنِ
وتتوالى الفصولُ في مسيرٍ مُحكَمٍ
فيُبنى البُستانُ عقلًا بفهمٍ مُؤمَّنِ

واشعرْ بأنفاسِ مخطوطٍ يُولَدُ الآنْ
فتفيضُ التأمُّلاتُ كالمدِّ في سُلطانْ
ويعظمُ السفرُ حتى يَبلغَ التمامْ
فتسمو الغابةُ عُلوًّا كمقامٍ في جَنانْ

وأبصِرْ سِحرَ الأفعالِ إذ صيغَتْ نُجومَا
فاكتَستْ الرؤى حُللًا وضياءً مَرسُومَا
وتُنسَجُ الحكاياتُ خالدةً في البقاءْ
فينتظمُ الأيكُ مَلَكًا وهيبَةً وعُظُومَا

وقدِّسْ إيقاعًا تُوزَنُ فيه الأنغامُ بَدْرَا
فتغدو التأمُّلاتُ جَوقةً تَحكمُ الوَتْرَا
وتعلو الأعمالُ حتى تَبلُغَ الفضاءْ
فتزدهي الأغصانُ صِدقًا وحقًّا في السَّطْرَا

وكرِّمْ بُنيانَ الأبياتِ إذ صِيغَتْ نِظامَا
فانبثقتْ الإلهاماتُ حُرًّا كالسَّهَامَا
وانطلقتْ الصنائعُ نحوَ غاياتٍ بَعيدْ
فانبسطَتِ القمَّةُ خضراءَ صفاءً وسلامَا

وأنشِدْ انسجامَ الأصواتِ نقيًّا كالضياءِ
فتخرقُ الوحيَ حُجُبًا في دُجى الأنباءِ
وتزهرُ التراكيبُ بلا حدٍّ ولا قُيودْ
فتسكنُ الخُضرةُ روحًا في نعيمِ الصفاءِ

وتبيَّنْ سلطانَ الاستعارةِ الطّيّارةْ
فتُشرقُ الرؤى جهرًا بلا ستارَةْ
وتتعمَّقُ الصِّيَغُ في بهاءٍ وقوَّةٍ
فتزدهرُ الحياةُ في سرورٍ وبشارةْ

وهكذا يمضي القريضُ إلى العُلا
يزفُّ للأنفاسِ سِحرًا مُقبلا
ويُورقُ في قلبِ الزمانِ عبيرُهُ
ليَخلُدَ صوتُ الحرفِ صدقًا مُقبلا

فيا أيها الساري بأوديةِ الكلامْ
خذِ الشعرَ زادًا، وارتوِ من فيضِ غمامْ
فإنَّ حروفَ الفنِّ تبني حضرةً
تُضيءُ المدى بالحقِّ، بالخيرِ، بالسلامْ

توقّفْ قليلًا عند سِفرٍ مُتلألئٍ
يُحدّثُ أرواحًا بآبياتٍ تَتَسامى
ففي كلِّ بيتٍ من معانيه جَوهَرٌ
يُزيّنُ ليلَ الفكرِ فجرًا مُتلألئا

وإذا انطوى السِّفرُ العظيمُ على سُطورْ
بقيتْ على الأرواحِ كاللحنِ الطهورْ
تُذكّرُ أنَّ الفنَّ يعلو دائمًا
كشمسٍ تُضيءُ في السماء بلا غُروبْ

سلامٌ على الشعرِ إذ ينسابُ نُورَا
يُباركُ أرواحًا ويزرعُها بُذُورَا
فما خُلقَ الإبداعُ إلا للحياةْ
ولا أزهرتْ الكلماتُ إلا للحُضُورَا

 

بدرٍ ساطعٍ

يا سائلَ المعنى العميقِ بمشرقٍ
حيثُ الضياءُ يبوحُ بالسرِّ الجليلْ
اسمعْ ترانيمَ الحروفِ صدى المدى
فالكشفُ في الأرواحِ وعدٌ لا يزولْ

يا باحثاً بينَ الرموزِ عن السنا
وارثِ الحكمةِ في عروقِ الكائناتْ
هذي المعاني رفرفتْ في لحنِها
حتى غدتْ روحاً تُنيرُ الكائناتْ

يا عاشقَ الصورِ التي في غيمها
تتجسّدُ الأشعارُ مثلَ تجلّياتْ
أبحرتَ في بحرِ المجازِ لتلتقي
بالموجِ يحملُ في طيّاتهِ آياتْ

يا سامعَ الأصداءِ في أعماقِها
أمواجُ فكرٍ تُستفزُّ وتستبينْ
سِرْ في دروبِ الحرفِ، فهي ممالكٌ
تُبنى على العقلِ السليمِ المستكينْ

يا ناظراً صوبَ البداياتِ التي
فيها الشقاءُ وفي مآلِ الحلمِ نورْ
إنَّ الطريقَ إذا تزيّنَ بالصعابْ
أهدى القلوبَ إلى المعالي والسرورْ

اقبضْ على جوهرِ الاستعاراتِ العميقةْ
تنثالُ كشوفاتٌ خصيبةٌ أنيقةْ
تنمو التفاسيرُ سَناءً وجدارةْ
تزهو الزهورُ ببهجةٍ ورونقٍ وبريقهْ

واغتنمْ دقّةَ رنّةِ التكرارِ الرقيقْ
تفترُّ بالفهمِ البصائرُ في الطريقْ
تنضجُ ثمارُ الوعيِ بالعزِّ المكينْ
ويتلألأُ الورقُ الطهورُ بلا شفيقْ

واخشعْ لسرِّ تلاحمِ الأصواتِ العجيبةْ
تنمو رؤى الإشراقِ نضرةً قريبةْ
تشرقُ إنجازاتُ روحٍ بالفخارْ
ويستقرُّ الظلُّ في نعمى خصيبةْ

وتأمّلِ السحرَ الذي في المجازاتْ
تكشفُ حقائقُ بينَ سترٍ والتباساتْ
تتويجُ جهدِ المرءِ يعلو بالعطاءْ
ويثبتُ الغابُ بأركانٍ رساّتْ

واعتبرِ المدى الفسيحَ في المبالغاتْ
تحرّرتْ حكمُ العقولِ من الرموزِ العاتْ
يُختمُ الكدُّ الأصيلُ بأصالةٍ
ويستوي المأوى إلى أمدِ الثباتْ

تأمّلِ الصبحَ المثقّلَ بالخطوبْ
تهتزُّ آمالٌ على دربٍ صعوبْ
تتراكمُ الجهداتُ في صمتٍ عميقْ
وتستقرُّ دعائمٌ وسطَ الغروبْ

وانظرْ لِفجرٍ باهتِ الألوانِ حائرْ
تهوي المشاريعُ بثقلٍ مستطيرْ
تتكدّسُ الأعمالُ دونَ اعترافْ
وتصهرُ الأسسُ بالعزمِ الكبيرْ

وأبصرْ صباحًا في رمادٍ وانطفاءْ
تخورُ هممٌ تحتَ قبضاتِ البلاءْ
تتراكمُ الأوجاعُ دونَ مكافآتْ
وتُغرسُ القواعدُ بالإيثارِ نداءْ

واشعرْ ببُدءٍ أثقلتهُ المحنُ قسرًا
تنوءُ أحلامٌ بقيْدٍ يُحكمُ أَسرًا
تزدادُ آلامُ القلوبِ بلا جزاءْ
وتُثبتُ الأسسُ بالعزمِ إذا أسرى

واميّزْ انطلاقةً بعبءِ لا يُطاقْ
تسقطُ غاياتٌ تحتَ حملٍ كالجبالْ
تجتمعُ الأشجانُ دونَ معوّضاتْ
ويُبنى العمادُ بعزمٍ لا يُنالْ

فهنا انتهت أسفارُ حرفٍ مُشرقٍ
نسجَ المعاني في جلالٍ وارتقاءْ
يبقى الصدى يهمي على شُطآننا
مثلَ النسيمِ يُداعبُ القلبَ الوضاءْ

قد أزهرتْ في الروحِ أنغامُ الهوى
وتفتّحتْ أزهارُ وعيٍ في الفؤادْ
كلُّ الحروفِ إذا تناغمَ لحنُها
غدتِ الينابيعَ في صحارى الاجتهادْ

يا قارئَ الأشعارِ، خذْ من سرِّها
نوراً يضيءُ الدربَ في ليلِ العناءْ
إنَّ البلاغةَ إن تدفّقَ نهرُها
غسلتْ قلوباً من غبارِ الجهلِ داءْ

واصغِ إلى المعنى يرفرفُ ساطعاً
فالحرفُ جسرٌ نحوَ أفقٍ لا يبورْ
من سارَ في دربِ البيانِ مخلصاً
نالَ السكينةَ والخلودَ مع السرورْ

فهذي خيوطُ الشعرِ تُحكمُ عقدَها
كالدرِّ يُرصَفُ في عقيقٍ مُشْتهى
تبقى القصيدةُ مثلَ بدرٍ ساطعٍ
يهدي البصائرَ في دجى الدربِ البهى

 

عرشِ الخلودِ

هذي القصائدُ والأنينُ حكايةٌ 
نُسجتْ خيوطُ الروحِ فيها مُستفيضةْ
سارتْ على دربِ المعاني صادحاتٍ 
تُهدي القلوبَ جراحَها المُستفيضةْ

يا قارئَ الأشعارِ، مهلاً وارتوِ 
فالحرفُ يَسقي من حقائقِهِ النقيةْ
في كلِّ بيتٍ حكمةٌ مشدودةٌ 
نحوَ العلوِّ كأنَّها نجمُ السَّماءْ

هذه الأبياتُ سَفرٌ للخلودِ 
فيها المدى يَزهو برؤيا مُضيئةْ
هي سُلَّمٌ نحوَ الحقيقةِ كلَّما 
ضاقَ الفؤادُ بأُمنياتٍ عَصِيّةْ

هي مرآةٌ للوجوهِ الحائرةْ 
وصرخةٌ تَصحو كأجراسٍ بعيدةْ
فيها انعكاسُ العمرِ بينَ مآسينا 
والفكرُ يَصعدُ في مَداراتٍ شديدةْ

هي أنشودةٌ للدهرِ تُحكى خافيةً 
وتفيضُ في الأرواحِ صُبحاً مُشرِقاً
فيها من الأسرارِ ما يَصعُبُ كشفُهُ 
إلا لِمَن قد عانقَ السرَّ العَميقَا

هي لوحةٌ رُسمتْ بدمعٍ صامتٍ 
وبمدادِ آهاتٍ عتيقةْ
فيها بقايا من نداءٍ خافتٍ 
يَجري كنبضٍ في الشرايينِ الرقيقةْ

هي قصةُ الإنسانِ في سَفرِ العذابْ 
فيها ابتلاءُ العمرِ يحيا كالقصيدةْ
لكنها تَزرعُ أملاً في حُقولِنا 
لتُعيدَ فينا بهجةً كانتْ فريدةْ

فاقرأْ بروحٍ تستعدُّ لسِفرِها 
في بحرِ معنىً مُمتلئْ بالدهشةْ
فالحرفُ مِفتاحُ النجاةِ إذا سرى 
والقلبُ مِصباحٌ يُضيءُ بخَشيةْ

يا سائراً بينَ الدُّروبِ الموحِشاتِ 
لا تَخشَ ظُلمتَها ولا غيمَ الفُلاةِ
فالنورُ يَنبعُ في القلوبِ مُقدَّساً 
كالطَّلِّ يُزهِرُ في حدائقِ الأمنياتِ

يا حاملاً جُرحَ الحقيقةِ صامداً 
لا تَركَننْ لِلوَهنِ في ليلِ السِّكاتِ
فالصبحُ يَأتي رغمَ أوجاعِ الدُّجى 
ويُعيدُ للأرواحِ بهجَةَ الذكرياتِ

يا باحثاً عن سرِّ كونٍ مُبهَمٍ 
في صمتِه تختبئُ آلافُ الحكاياتِ
فالحرفُ مِفتاحُ العبورِ إلى العُلى 
والروحُ مِسباحٌ يُرتِّلُ في السَّمَواتِ

يا عاشقاً للمجدِ في دنيا الخُطى 
لا تَستَسلمْ لِلوُعودِ الخادعاتِ
فالعزمُ أبهى من جِبالٍ شامخاتٍ 
والصبرُ أسمى من حُروفِ المُعجزاتِ

يا حالمًا والريحُ تعصفُ حَولَهُ 
والنجمُ يُسقِطُ فوقَ ليلِ المَهمَهاتِ
اعلُ الجِباهَ على المآسي شامخًا 
فالأرضُ تُزهِرُ بعدَ دمعِ العاصفاتِ

اقتنصْ منافذَ أثقالٍ جَسيمةْ 
فالأمنياتُ تَذوبُ روحاً عليلةْ
وتراكمتْ صُلبَ المآسي دونَ غُفرانْ 
والعزمُ يشمخُ في الطريقِ بذي صليبةْ

تأمَّلِ الميلادَ في أعباءِ مُرَّةْ 
والنبضُ ينحني لقيودٍ مُستحيلةْ
والجُرحُ يَصطلي ولا عزاءَ لمُعذَّبٍ 
والسندُ يَعلو في الثباتِ على الفضيلةْ

جَلِّلْ بُداياتٍ بثِقلٍ مُستعارٍ 
والشوقُ يَخرسُ في قيودٍ مُستطيلةْ
والشهداءُ يَزيدُ جمعُهم بلا غُفرانْ 
والدربُ يُبنى بالعزيمةِ مُستقيلةْ

كرِّمْ صنيعاً ثَقُلَتْ فيهِ المَآسي 
والإرادةُ تَهوي تحتَ أحمالٍ ثقيلةْ
والأوجاعُ تلتقي بلا غفرانِ رحمنٍ 
والدعمُ يُنشأُ بالخذلانِ كالعَميلةْ

هلِّلْ لأصلٍ قد نَما في شدَّةٍ عاتٍ 
والنيةُ تَميلُ لريحِ دَهرٍ مُستطيلةْ
والابتلاءُ يَتراكمُ بلا توبةٍ 
والدَّعمُ يَسمو في مسيرةٍ مُطوِّلةْ

تأمَّلِ القولَ المُحاطَ بألفِ مَعنى 
والتأويلاتُ فيهِ صارتْ دَخيلةْ
تَرقصُ دلالاتُهُ دوَّامةً تَهوي 
والفهمُ يَغدو بالمناقضةِ قَتيلةْ

وانظرْ خِطاباً ذو وجوهٍ مُتغيِّرةْ 
تَنكشفُ القراءاتُ فيهِ مُذهِلةْ
تَدورُ مَعانيهِ في مَتاهاتٍ عَميقةْ 
والفَهمُ يَسعى فَيُقيَّدُ بالسَّليلةْ

واسمعْ رسائلَ ذاتَ طَيفٍ غامِضٍ 
يَضيقُ التفسيرُ فيها كالخَميلةْ
وتَتموَّجُ الأبعادُ في دربٍ مُشوَّشٍ 
والتحليلُ يَطلبُ في الدروبِ لهُ دَليلةْ

واشعرْ بأقوالٍ تُخفي سِرَّها الدَّاني 
تَضيعُ شُروحُها بِدَورانِ دَويلةْ
وتَهتزُّ قيمةُ معناها بمُضطربٍ 
والتوضيحاتُ تَعجزُ في المَحيلةْ

ميِّزْ رِواياتٍ بوجوهٍ مُستَترةْ 
والإيضاحاتُ تُكبَحُ مُستحيلةْ
محتوى يَتأرجحُ في ظلالِ الحَيرةِ 
والحلُّ يَرحلُ كالغُيومِ بلا دَليلةْ

يا أيُّها السائرُ في دَربِ الرجاءْ 
لا تَستكنْ للهمِّ في ليلِ الجَفاءْ
فالحقُّ يَسطعُ في المدائنِ باسماً 
ويُعيدُ للآفاقِ ألحانَ الصفاءْ

يا أيُّها الحُرُّ الذي ما لانَ يومًا 
للمِحنِ السوداءِ أو صَعبِ البلاءْ
إنَّ الصمودَ هو العُروجُ إلى العُلا 
والروحُ تُزهِرُ في مَواطنِها العَطاءْ

يا أيُّها المُشتاقُ للأفقِ البعيدْ 
لا تَجزعنْ فالدهرُ يُخفي ما يُريدْ
لكنَّ نورَ الحقِّ يَبرُقُ في الدُّجى 
فيُضيءُ للآتينَ دربًا من جَديدْ

يا أيُّها القارئُ في صَمتِ السطورْ 
إنَّ الحروفَ جِراحُنا بينَ السُّطورْ
لكنها نَبضُ الخلودِ لمَن مَضى 
وصدى العصورِ لِمَن يَجيءُ إلى العُصورْ

يا أيُّها الحالمُ في بُعدِ الفضاءْ 
اجعلْ خُطاكَ إلى المعالي في سَماءْ
فالروحُ إنْ عَبَرتْ جدارَ مُصابِها 
عادتْ إلى عرشِ الخلودِ مع الضياءْ

 

مَقَامَ الصَّخْرِ

سَلِ الضِّيَاءَ الَّذِي فِي صَدْرِكَا  يَبْقَى وَيَزْدَانُ بِالْهُدَى وَالْفَضْلِ تِلْكَ مَسَاحَاتُ الْكَلَامِ مُؤَوَّلٌ  تَحْتَ الْحُرُوفِ ...

الأكثر رواجا