السبت، 25 أكتوبر 2025

نَغْمَةَ الإِحْسَاسِ

تَهِيـجُ فِي القَلْبِ أَشْوَاقٌ وَمَوْعِدُهَا
إِذَا تَجَلَّتْ بِلادٌ سِحْرُهَا أَخَذُ
تُنَادِي النَّفْسَ حَتَّى لَا تُفَارِقَهَا
فَفِي رُبَاهَا جَمَالٌ لَيْسَ يُفْتَقَدُ

هُنَا البَدِيعُ، وَهُنْدَسَتْهُ يَدٌ خَلَقَتْ
مِنَ الضِّيَاءِ وَمِنْ أَسْرَارِهِ بَلَدُ
وَهَاهُوَ الشِّعْرُ فِي مِضْمَارِهِ انْطَلَقَتْ
خُيُولُ فِكْرٍ عَلَى الأَسْمَاءِ تَعْتَمِدُ

سَيَرْسُمُ اللَّفْظُ تَارِيخًا يُجَدِّدُهُ
صَوْتُ الحُرُوفِ إِذَا مَا أَطْرَبَ النَّغَدُ
وَيُوقِظُ الحِسَّ مِصْبَاحٌ لَهُ وَمَضٌ
يَهِيمُ فِي اللَّفْظِ، وَالإِيقَاعُ مُتَّقِدُ

فَاقْرَأْ وَدَعْ قَلْبَكَ الْمَسْحُورَ مُنْصَرِفًا
نَحْوَ الجَمَالِ الَّذِي يَسْتَأْنِفُ الْخَلَدُ
فَهَذِهِ البِلادُ، سَيِّدَةُ الْمَحَافِلِ مَا
بِحُسْنِهَا بَلَدٌ فِي الأَرْضِ يُعْتَمَدُ

سَيَسْتَبِينَ لِمَنْ أَصْغَى تَفَرُّدُهَا
فِي كُلِّ بَيْتٍ يَجُودُ الحِسُّ وَالْأَدَبُ
تَسْرِي كَنَفْحَةِ رَبِيعٍ فِي مَسَالِكِهِ
فَيَرْتَوِي الْقَلْبُ إِنْ أَصْغَى وَإِنْ طَرِبُ

فِي نَغْمِهَا تُورِقُ الأَفْكَارُ بَاسِمَةً
وَيَرْتَقِي فِيهَا التَّصْوِيرُ وَالخَطَبُ
إِذَا تَدَفَّقَ مِنْهَا الشِّعْرُ مُنْسَكِبًا
هَزَّ المَشَاعِرَ وَالإِحْسَاسَ وَانْسَكَبُ

تَأْخُذُ اللُّبَّ تَفْتِنُهُ بِنَغْمَتِهَا
كَأَنَّهَا سِحْرُ بَيَانٍ فِيهِ يَنْجَذِبُ
وَيَسْتَفِيقُ بِهَا التَّارِيخُ مُبْتَهِجًا
كَأَنَّهُ فِي مَدَى أَصْدَائِهَا يَطِبُ

فَاقْرَأْ وَدَعْ نَبْضَكَ الْمَشْدُودَ مُنْصَرِفًا
نَحْوَ البَهَاءِ الَّذِي فِي حُسْنِهَا يَجِبُ
هُنَاكَ تَكْمُلُ مَعْنَاهَا وَتَبْتَدِئُ
قَصِيدَةٌ سِحْرُهَا فِي القَلْبِ يَعْتَلِبُ

فِي رُبَاهَا مِنَ الإِشْرَاقِ مُعْجِزَةٌ
يَهِيمُ فِي نُورِهَا البَصَرُ الَّذِي يَحْتَدُّ
وَفِي سَمَائِهَا تَبْقَى النُّجُومُ لَهَا
تُهْدِي المَسَافِرَ إِنْ أَعْيَاهُ مُعْتَمَدُ

تَفُوحُ فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْ رِيَاضِهَا
نَسَائِمٌ مِثْلَ عِطْرٍ فِي الدُّنَا يَسْتَبِدُّ
إِنْ قِيلَ مَهْدُ العُلَا قِيلَتْ هِيَ السَّبَبُ
فَمِنْ ثَرَاهَا نَمَا العِلْمُ الَّذِي يُحْمَدُ

تَرْنُو الجِبَالُ إِلَى الأُفْقِ ابْتِهَاجًا بِهَا
كَأَنَّهَا تَسْتَقِي مِنْ مَجْدِهَا الزَّهَدُ
وَيَبْقَى فِي كُلِّ جِيلٍ مِنْ بَنِيهَا صَدًى
يُجَدِّدُ الحُلْمَ إِنْ دَارَ الزَّمَانُ وَدُدُ

مَا ضَاعَ فِيهَا جَمِيلٌ قَدْ بَنَاهُ أُولُو
فَضْلٍ، وَمَا هَدَمَ التَّارِيخَ مُعْتَمِدُ
تَسْتَأْنِفُ المَجْدَ فِي خُطْوَاتِ سَيْرَتِهَا
كَمَا يُجَدِّدُ فَجْرَ الصُّبْحِ مُنْبَعِدُ

تَسْعَى إِلَى المَجْدِ لَا تَرْتَدُّ خُطْوَتُهَا
وَفِي المَسَافَاتِ يَبْقَى سَعْيُهَا أَبَدُ
تُعَلِّمُ العَالَمَ الْمَعْنَى الَّذِي ارْتَقَتِ
بِهِ البُطُولَاتُ إِذْ فِي صَوْتِهَا عَهَدُ

فِي كُلِّ صُبْحٍ تُرَتِّلُ نَجْمَ مَوْلِدِهَا
وَيَرْقُصُ الْفَجْرُ فَخْرًا حِينَ يَتَّقِدُ
وَفِي رِمَالِهَا تُخْفِي الحَدِيثَ لِمَنْ
يَسْتَنْطِقُ المَجْدَ، فَالتَّارِيخُ مُعْتَقِدُ

عَطَاؤُهَا سَاحِرٌ، لَا يَنْثَنِي كَرَمٌ
عَنْ كُلِّ مَنْ ضَاقَتِ الأَيَّامُ وَاتَّقَدُوا
وَفِي عُيُونِهَا الإِخْلَاصُ مُتَّقِدٌ
كَأَنَّهُ النُّورُ فِي الأَرْوَاحِ يَتَّحِدُ

تَحْيَا عَلَى وَعْدِهَا لَا تَنْثَنِي هِمَمٌ
مَا دَامَ فِي نَبْضِهَا تَارِيخُهَا يَخِدُ
وَسَوْفَ تَبْقَى عَلَى الدُّنْيَا مُفَاخِرَةً
مَا دَامَ فِي صَوْتِهَا التَّمْجِيدُ وَالْبَلَدُ

تَبْقَى عَلَى العَهْدِ لَا تَلْهُو وَلَا تَفِتُرُ
وَفِي مَدَاهَا عُلَا الأَيَّامِ تَعْتَمِدُ
إِنْ مَسَّهَا لَيْلُ تَارِيخٍ تَضِيءُ لَهُ
حَتَّى يُبَاحَ لَهُ فِي نُورِهَا رَغَدُ

وَتَسْتَفِيقُ عَلَى الأَحْلَامِ نَافِرَةً
كَأَنَّهَا الفَجْرُ لَا يُخْفِي لَهُ أَحَدُ
تَهْدِي البَصَائِرَ إِشْرَاقًا وَمَعْرِفَةً
فَيَغْتَدِي الْعِلْمُ فِي مَعْنَاهُ يَتَّقِدُ

تُرَبِّي الأَمْلَ فِي نَفْسِ الفَتَى فَطَرًا
حَتَّى يُصَيِّرَ مِمَّا حَلْمُهُ بَلَدُ
تَسْكُنُ المَجْدَ إِسْكَانًا وَتَحْرُسُهُ
كَأَنَّهَا مَلَكٌ فِي ظِلِّهِ سَعِدُوا

وَيَبْقَى فِي ذِكْرِهَا صَوْتُ الزَّمَانِ صَدًى
تَرْتَدُّ فِيهِ حُرُوفُ المَجْدِ وَالْجَدَدُ
فَاخْتِمْ بِهَا نَغْمَةَ الإِحْسَاسِ مُنْسَجِمًا
فَالشِّعْرُ فِيهَا بَدِيعُ السَّحْرِ وَالْخَلَدُ

 

الجمعة، 24 أكتوبر 2025

قَولٌ جَمِيلٌ

سَكَنَ السُّكُونُ فَجَالَ فِيهِ تَأَمُّلُ
وَسَرَى الضِّيَاءُ كَأَنَّهُ يَتَمَثَّلُ
وَتَنَفَّسَ الحِرفُ البَهِيُّ مَعَانِياً
فَتَفَتَّحَتْ فِيهِ الحُرُوفُ وَتَجْمُلُ

يُحَدِّثُ عَن صَبْرِ الحَكِيمِ وَعِزَّةٍ
وَعَنِ الزَّمَانِ وَكَيْفَ فِيهِ يُؤَمَّلُ
فَاقْرَأْهُ بِالعَقْلِ الرَّصِينِ فَإِنَّهُ
صَوتُ التَّجَارِبِ فِي الحَيَاةِ يُفَصَّلُ

هُنَالِكَ حِبرٌ فِي السُّطُورِ تَهَلَّلَا
وَصَوْتُ فِكَرٍ فِي المَعَانِي يُنْدِلُ
تُغَنِّي القَوَافِي فِي رُبَاهَا حِكْمَةً
وَيَفُوحُ مِنهَا الصِّدقُ حِينَ يُقَوَّلُ

فَخُذْ مِنْ سُكُونِ الحَرفِ نَبْضَ بَيَانِهِ
فَفِي الصَّمْتِ أَحْيَانًا كَلَامٌ يُجْمَلُ
وَدَعْ لِلقَصِيدِ مَقَامَهُ وَهُدُوءَهُ
فَفِيهِ جَمَالُ الحِلمِ حِينَ يُتَأَمَّلُ

سَيَجِدُ الفُؤادُ مَسَالِكًا مُتَنَزِّهًا
وَيَرَى الحَدِيثَ كَأَنَّهُ يَتَسَلْسَلُ
تَجُودُ المَعَانِي بِالحَقِيقَةِ نَاصِعًا
وَيَسْكُنُ فِيهَا مَا يُقَالُ وَيُفْعَلُ

فَهَذَا كَلَامٌ لِلحَيَاةِ مَعَانِقٌ
يُهَذِّبُ نَفْسًا وَالفُؤادُ مُؤَهَّلُ
فَتَأهَّبْ لِسَطْرٍ يَسْتَضِيءُ حِكايَةً
فَمَا بَيْنَ بَيتٍ وَالمَعَانِي مَوصِلُ

فَمَن طَابَ مَعدِنُهُ تَسَامَى نُورُهُ
وَمَا خَابَ مَغزَى فِعلِهِ المُتَأَمَّلُ
وَإِن زَلَّ قَومٌ فَالعُذُولُ كَثِيرُهُمْ
وَأَكْرَمُ مَن يَسمُو عَلَى مَن يَعَذِّلُ

يُقاسُ الفَتى فِي النَّائِبَاتِ وَرُبَّمَا
يَظَلُّ عَلَى حُكمِ العُقُولِ يُعَوَّلُ
تُرَبِّي اللَّيَالِي فِي الصُّلَابَةِ أَهلَهَا
فَيَبدو الحَليمُ وَقَلبُهُ يَتَجَمَّلُ

وَمَا كُلُّ مَجدٍ يُرتَجَى فِي طِرَافَةٍ
فَأَصْدَقُهُ مَجدٌ عَليهِ يُثَقَّلُ
إِذَا انصَرَفَ الدُّنْيَا لِغَيرِ مُرِيدِهَا
تَبَسَّمَ حُرٌّ وَالقَنَاعَةُ مَحصَلُ

وَتَبقَى لِذِي العَقلِ المُهَذَّبِ رِفعَةٌ
وَإِنْ قَلَّ مَا يَملِكْ فَهُوَ المُؤَمَّلُ
فَخُذْ خُلُقاً يَعلُو عَلَى كُلِّ نِقمَةٍ
فَذُو السِّيرَةِ البَيضاءِ لا يَتَبَدَّلُ

وَمَنْ خَالَطَ الأَيَّامَ عَقْلاً وَبَصْرَةً
رَأَى أَنَّ فِي طَيِّ الحُدُوثِ تَفَضُّلُ
وَلَا يَغْتَرِرْ ذُو الحِلمِ بِالبِشرِ إِنَّهُ
إِذَا جَاءَ دَهْرٌ بِالمَسَاءِ تَحَوَّلُ

تُصَاغُ المَعَالِي فِي صُمُوتٍ وَعِفَّةٍ
وَأَصْدَقُ مَنْ قَالَ الفِعَالَ المُفَضَّلُ
وَمَا نَفْعُ عِلْمٍ لَا يُرَاعِي أُصُولَهُ
وَلَا حِسَّ فِيهِ لِلعُقُولِ مُعَوَّلُ

فَخَيْرُ الفَتَى مَنْ لَمْ يُغَيِّرْ خُلُقَهُ
وَإِنْ نَالَ مِنْ دُنْيَا المَطَالِبِ أَجْزَلُ
وَإِنْ ضَاقَ صَدْرُ الحُرِّ فِي زَمَنِ الجَفَا
تَسَامَى وَقَالَ، الحِلْمُ أَجْمَلُ مَنْزِلُ

تُجَرِّبُهُ الأَيَّامُ حَتَّى إِذَا بَدَا
صَقِيلًا كَمَا يَبْدُو الحَدِيدُ المُصَقَّلُ
فَيَبْقَى لَهُ فِي كُلِّ دَهرٍ مَحَامِدٌ
وَفِي الخَلقِ ذِكرٌ لِلرَّجَاحَةِ يُجْمَلُ

وَيَبقَى صَدَى الحَرفِ الوَفِيِّ مُخَلَّدًا
يُغَذِّي رُبُوعَ القَلبِ حِينَ يُسَجَّلُ
وَيَصعَدُ مِثْلَ العِطرِ فِي أُفُقِ الرُّؤَى
فَيَعبُقُ فِيهِ الحِسُّ حِينَ يُتَأَمَّلُ

وَمَا الحُسنُ إِلَّا فِكرَةٌ مُتَجَذِّرٌ
إِذَا نُثِرَتْ فِي الحِسِّ قَامَتْ تُجْمِلُ
تُسَاقُ إِلَى الآذَانِ رَطْبَةَ نَغْمَةٍ
تُؤَنِّسُ مَنْ يَصْغَى وَفِيهِ تُظَلَّلُ

فَتُصْبِحُ كَالأَمْطارِ فِي صَيفِ نَفسِهِ
تُحَيِّيهِ حِينَ اللَّيلُ فِيهِ يَطَوَّلُ
وَيَسْرِي عَلَى أَلحَانِهَا نَبْضُ رُوحِهِ
فَيَحْيَا بِهَا مَنْ قَدْ تَرَاهُ يُعَقِّلُ

فَذَاكَ خِتَامُ القَوْلِ يَسْرِي نُورُهُ
كَمَا يَسْرِي الضِّيَاءُ إِذَا تَهَلَّلُ
فَتَسْكُنُ فِيهِ النَّفْسُ وَهْيَ مُهَذَّبَةٌ
وَيَسْمُو بِهَا قَولٌ جَمِيلٌ مُفَصَّلُ

 

الخميس، 23 أكتوبر 2025

رحيقَ الخيرِ

تاهَ الفؤادُ بأرضِ الحلمِ مُرتحِلاً
يَرْجُو الحقيقةَ في دُنيا يُداريها
يمضي، ويعلمُ أنَّ الدهرَ مُختلفٌ
كمْ غالَبَ النفسَ في نُعمى يُغريها

يَهوى السكونَ ولكنْ لا قرارَ لهُ
فالعمرُ ريحٌ، وموجُ الوقتِ يُعليها
كمْ أضلَعَ الفكرُ في دربٍ يُؤرِّقُهُ
حتى اهتدى للهدى، والنورُ يُهديها

قد علَّمتهُ خُطى الأيامِ حكمةَ مَن
يرنو لخيرٍ، ويُقصي عن مساويها
فاستيقظَ القلبُ من وَهْمٍ يُكبِّلُهُ
وراحَ يبني رُؤى المجدِ السَّوَاريها

حتى إذا ما تبدّتْ منهُ مُعتبَرٌ
خطَّ القريضَ، وأبدى ما يُناجيها
فاستقبلوها بصدقِ الودِّ، إنَّ بها
دُرَرَ المعاني، ومِفتاحَ المعاليها

تغدو الحروفُ نُجومًا في سَما طَرَبٍ
إذْ تستفيقُ المعاني في مغانيها
وتنثني نَغَماتُ الحُسنِ حالمةً
كالماءِ يُورِقُ إنْ طابتْ مجاريها

تُهدي القلوبَ سُكونًا في تأمُّلِها
وتستعيدُ الضياءَ في مآقيها
فالشعرُ بحرٌ عميقٌ لا قرارَ لهُ
تسمو المراكبُ إنْ صانت دَواليها

كمْ شاعرٍ فَتَنَ الإحساسُ وجْدَانَهُ
فأطلقَ الصدقَ أنغامًا يُغَنِّيها
يسري بنبضٍ خفيٍّ في خواطرِنا
كالفجرِ يُعلنُ أنَّ البدرَ باديها

فإذا قرأتَ الحروفَ الغُرَّ فاتحةً
فاجعلْ لقلبِكَ سمعًا في معانيها
تلكَ القصيدةُ روحُ الفكرِ أنشدَها
من وحيِ صدقٍ ونورٍ في مغانيها

فامضِ بنورِ الهدى ما دامَ مُقتَدِياً
فالنورُ يعلو إذا ما النّاسُ تُخفيها
ولا تُجاملْ وجوهًا زانَها خَدَعٌ
فالصدقُ أجملُ ما تبني مبانيها

واستغنِ باللهِ عن دُنيا تُغرِّرُ مَن
يلهو بسرابٍ، وأحلامٍ يُناجيها
واجعلْ رضاكَ بما قسمَ الإلهُ لكَ
فالنفسُ تُكرمُ إنْ تلقى مُناديها

كمْ من طموحٍ سَعى والدهرُ أرهقَهُ
حتى تهاوى، ولم تُجدِ مساعيها
وسالمِ القلبَ، إنَّ القلبَ مُنقَلَبٌ
ما دامَ في البِرِّ يُزكِّي أمانيها

فالعُمرُ ظلٌّ قصيرٌ في تَقلُّبِهِ
والحُسنُ يُخلَدُ إنْ طابت مبانيها
فاحفظْ لسانَكَ، إنَّ القولَ مُنزَلَقٌ
قد يُزهِقُ النفسَ إنْ ضاعت معانيها

فابحثْ عن الحقِّ إنْ ضلَّتْ براهِنُهُ
فالحقُّ تُحييه أرواحٌ تُحييها
ولا تُطعْ رغبةً تُغريكَ ناعِمَةً
فكمْ هوَتْ نفْسُ من أغوتْ أمانيها

واصبرْ على الدهرِ، إنَّ الصبرَ مُرتَفَقٌ
تسمو النفوسُ بهِ إنْ طالَ مُبديها
قد يرفعُ اللهُ مَن في الأرضِ مُتَّضِعاً
ويُهلكُ الكِبرَ إنْ علَّتْ دواهيها

واحفظْ ضميرَكَ، إنَّ القلبَ مِحرابُهُ
يصفو إذا طَهُرَتْ أسرارُ خافيها
ما نالَ مجدًا سوى مَن جاهدَتْ هممٌ
تبني المعالي ولا تخشى عواديها

والعزُّ شمسٌ إذا ما لاحَ في هممٍ
أغنى الفقيرَ، وإنْ أبدى تجافيها
فامضِ بثوبِ التُّقى تزهو بسيرتِهِ
فاللهُ أكرمُ مَن ترجُو نَواديها

هذي الحياةُ دروبٌ لستَ تُدركُها
إلّا إذا أوقدَ الإيمانُ مُجريها
إنْ ضاقَ صدرُكَ فاستَمسِكْ ببسمتِها
فالنورُ يزهرُ إنْ تَصْفُ المآتيها

واجعلْ من الصبرِ زادًا في تَقَلُّبِها
فالعزمُ يُنبتُ وردًا في نواحيها
قد تُخْفِي الليلةُ السوداءُ مبسِمَها
لكنْ يُضيءُ السَّنا حينًا دياجيها

وانظُرْ إلى الغدِ لا تيأسْ من أملٍ
فالحلمُ يُحيي الرُّؤى إنْ شئتَ تُحييها
واسقِ الوجودَ رحيقَ الخيرِ في عملٍ
يُبقي الجمالَ، ويُحيي مَن يُجاريها

تبقى الحقيقةُ نورًا لا يُطفِّئُهُ
مَوجُ الزمانِ، وإنْ نالَتْ أمانيها
فاختمْ بها الدربَ تسبيحًا وتأمُلَةً
تُزدانُ روحُكَ إذْ تسمو مبانيها

 

الأربعاء، 22 أكتوبر 2025

العفوِ الجميلِ

تمهَّلِ الفكرَ، إنّ الحرفَ إبحارُ
وفي المعاني خفايا تُبهِرُ النّارُ
فليسَ كلُّ كلامٍ حينَ ننطِقُهُ
يُفصِحُ الصّدقَ، أو تُرضيهِ أشعارُ

قد تُظهِرُ العينُ أسرارًا تُكَذِّبُها
قلبٌ يُناجي ويَطويهِ استِتارُ
تأنَّ في الحكمِ، لا تُفشي ملامحَ من
يُخفي وراءَ ابتسامِ الحزنِ أسرارُ

فالحلمُ زادُ فتىً ما خانَ منطقَهُ
ولا استباحَ بما لا يعلمُ النّاسَ دارُ
ومن تأمَّلَ في الأعماقِ معتبرًا
رأى الحقيقةَ تُجلى، وهيَ تِذكارُ

هُدِّئْ خطاكَ، فهذي الدربُ أَسرارُ
وفي الحروفِ صدى الأوجاعِ يُنهارُ
تسيرُ بينَ المعاني خطوتانِ هوىً
وحكمةٌ تنسجُ الأفكارَ تِذكارُ

هنا الصمتُ المجلّى في ترفِ الأسى
وهُنا القلوبُ، وما تخفيهِ تِذكارُ
كأنّ كلَّ حنينٍ حينَ نلمسُهُ
يبوحُ دونَ لسانٍ، ثمّ يحتارُ

خذْ من سكونِ الليالي درسَ نافذةٍ
تُريكَ أنَّ وراءَ الضوءِ أسرارُ
واقرأ بقلبٍ نقيٍّ ما تبوحُ بهِ
نفوسُ قومٍ كواهم صمتُهم نارُ

فكن رفيقًا إذا ما جئتَ تسألهُ
فالقلبُ يرهقُهُ طولُ التذكارِ
كم في الصدورِ جراحٌ لا يُداويها
غيرُ السكوتِ وصبرٌ فيهِ إيثارُ

كم من ضعيفٍ تَجَلّى حينَ محنتهِ
وصارَ صمتُهُ في الناسِ مِقدارُ
قد يبتسمُ ليُخفي خلفَ بسْمتهِ
ألمًا يُناضلُهُ ليلًا وإصرارُ

دعْ ما يخبِّئُهُ إنسانُ تجربَةً
فلكلِّ قلبٍ على الأيامِ أسرارُ
وانظرْ بعينِ رضا لا عينِ مُسئلةٍ
فالسترُ للمرءِ في الدنيا هوَ دارُ

كم من جراحٍ طواها الحزنُ في كبدٍ
ولم يُبدِ سرَّ لظاها الليلُ والنهارُ
يسيرُ صامتًا، والقلبُ محتدمٌ
لكنّهُ بينَ ضعفِ البوحِ جبّارُ

تكسو الملامحَ أستارٌ من ابتسمٍ
وفي الحنايا تساقى الدمعُ أنهارُ
كم خافقٍ ضاقَ بالأحزانِ فانفجرت
في مهجتِه من الأسى ألفُ إعصارِ

ما كلُّ صمتٍ رضا، فالبعضُ تحملهُ
رغماً ليُخفي بهِ وجعًا وأسرارُ
فاحفظْ ودادَكَ إنّ الودَّ مرهقةٌ
أحمالُهُ حينَ تُختارُ وتُختارُ

إذا تأمَّلتَ في الإنسانِ جوهرَهُ
رأيتَ في الصمتِ معنى الحُبِّ يَنهارُ
فليسَ ضعفًا سكوتُ المرءِ في شجنٍ
بلْ حكمةٌ تنسجُ الأعماقَ إبحارُ

قد يُوجِعُ القولُ قلبًا لا تُداويهِ
سِوى ابتسامٍ بهِ الإحسانُ يُختارُ
فاصمتْ لتُبصرَ في الآلامِ عِبرتها
فالصبرُ مصباحُ من يَسمو بهِ النّارُ

واختمْ حديثَكَ بالعفوِ الجميلِ فقدْ
تبقى الكرامةُ إن جاروا وتَنهارُ
من لم يُقَدّرْ خُطى الأرواحِ عارفَةً
ضلَّ الطريقَ، وكمْ ضلَّ السَّفارُ

 

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2025

كَلَامًا صَادِقًا

فِي زَمْنِنَا اضْطَرَبَتْ مَوَازِينُ الحِيَا
وَتَغَيَّرَ الإِحْسَانُ فِي نَفْسِ البَشَرْ
ضَاعَتْ مَعَالِمُ حُسْنِ فِعْلٍ طَيِّبٍ
وَتَبَدَّلَ الإِخْلَاصُ زَيْفًا وَالخَبَرْ

مَا عَادَ لِلعُقْلِ الرَّشِيدِ مَكَانَةٌ
إِذْ صَارَ يُخْفِتُ صَوْتَهُ خَوْفَ الضَّجَرْ
وَالْمَالُ صَارَ لِكُلِّ نَفْسٍ قِبْلَةً
تَسْعَى لَهُ وَتُبَاهِي النَّاسَ بِالدُّرَرْ

فَاقْرَأْ كَلَامًا صَادِقًا فِي نَغْمِهِ
يَشْكُو المَرَارَةَ وَالمَذَلَّةَ وَالكَدَرْ
قِصَصَ الحَيَاةِ سَتَرْسُمُ فِي حُرُوفِهِ
مَا غَابَ مِنْ خُلُقٍ وَمِنْ نَبْضِ البَصَرْ

هَذِي الحُرُوفُ تَئِنُّ فِي أَطْوَاقِهَا
مِنْ وَقْعِ دُنْيَا لَا تَرُوقُ وَلَا تَسُرْ
تَرْوِي الحَقَائِقَ فِي لِسَانِ نَبَاتِهَا
وَتُذِيبُ فِي نَبْضِ المَعَانِي مَا اسْتَتَرْ

فَاقْرَأْ بِقَلْبٍ لَا يُرِيدُ مُجَامَلًا
يَهْوَى الصَّدِيقَ وَيَجْتَنِبْ كِذْبَ العِبَرْ
فِي كُلِّ بَيْتٍ وَمْضَةٌ وَتَنَهُّدٌ
وَصَدَى حَنِينٍ فِي المَعَانِي يَنْتَشِرْ

سَتَرَى الحُرُوفَ كَنَبْعِ صِدْقٍ فَاتِرٍ
يَجْرِي عَلَى خَدِّ الزَّمَانِ كَمَا المَطَرْ
وَتُحِسُّ أَنَّ القَوْلَ بَاحَ بِسِرِّهِ
حِينَ اسْتَقَرَّ بِقَلْبِ صَادِقٍ نَظَرْ

قَدْ غَابَ صِدْقُ القَوْلِ إِلَّا نَادِرًا
وَتَبَدَّلَ الإِخْلَاصُ زَيْفًا فِي الخَبَرْ
وَتَرَى الوُجُوهَ تَبَسُّمًا مُتَصَنَّعًا
وَالقَلْبَ يَخْفِي فِي طِيَاتِهِ غَجَرْ

يَغْدُونَ فِي دُنْيَاهُمُ لِمَطَامِعٍ
وَيَبِيعُ كُلٌّ صَفْوَهُ طَمَعًا بِدِرْ
ضَاعَ الوَفَاءُ وَمَا بَقِيَ لِظَلِيلِهِ
فِي ظِلِّ هَذَا الزَّمْنِ إِلَّا كَالْأَثَرْ

مَنْ لِلْقُلُوبِ إِذَا تَغَشَّاهَا الأَسَى
وَتَبَدَّلَ النُّورُ المُضِيءُ إِلَى خَطَرْ؟
إِنْ لَمْ نُرَبِّ النَّشْءَ فِي قِيمِ الهُدَى
فَسَنَجْنِيَ الخُسْرَانَ فِي يَوْمِ الغَدَرْ

لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا سِوَى أَشْبَاحِهَا
تَرْقَى المَنَاصِبَ دُونَ جَهْدٍ أَوْ خَطَرْ
مَنْ جَاهَدُوا بِالعِلْمِ صَارَ نَصِيبُهُمْ
نَظَرَاتِ سُخْرِيَةٍ وَتَقْلِيبَ البَصَرْ

وَتَرَى الكَذُوبَ مُقَدَّمًا فِي قَوْمِهِ
يَجْنِي المَكَارِمَ كُلَّ يَوْمٍ وَالشَّهَرْ
إِنَّ العَدَالَةَ صَارَتِ المَحْدُودَ فِي
أَحْلَامِ مَنْ يَرْجُو الصَّلَاحَ وَمَنْ صَبَرْ

لَوْ أَنْصَفَ الإِنْسَانُ نَفْسَ نَفْسِهِ
لَتَغَيَّرَ التَّارِيخُ وَانْجَلَى الضَّجَرْ
لَكِنَّهُ يَمْضِي وَفِي أَعْمَاقِهِ
صَمْتُ الضَّمِيرِ وَنَارُ شَكٍّ تَسْتَعِرْ

فَلْيَصْحُ مَنْ غَفَلَتْ خُطَاهُ وَأَظْلَمَتْ
دُرُبُ الحَيَاةِ بِغَيْرِ نُورٍ أَوْ بَصَرْ
إِنَّ المَصَائِرَ لا تُرَاجِعُ خُطْوَةً
مَنْ ضَيَّعَ الأَيَّامَ يَحْصُدُ مَا غَبَرْ

عُدْ لِلسَّمَاحَةِ وَاتَّخِذْهَا مِعْطَفًا
يَحْمِيكَ مِنْ لَفْحِ العُدَاةِ إِذَا ظَهَرْ
وَاغْرِسْ بِقَلْبِكَ بَذْرَ حُسْنِ تَفَاؤُلٍ
فَاللُّطْفُ يَخْضَرُّ الحَيَاةَ إِذَا انْتَشَرْ

مَا ضَاعَ مَنْ جَعَلَ الحَقِيقَةَ نُصْرَةً
وَصَنَا مَعَالِمَهُ وَقَاوَمَ مَنْ غَدَرْ
فَاخْتِمْ كَلَامَكَ بِالثَّبَاتِ عَلَى الهُدَى
فَبِذَاكَ يَزْهُو الشِّعْرُ وَيَسْمُو مَنْ نَظَرْ

 

حِكمُ العُصورِ

تَحنو القلوبُ إلى الوفاءِ وتزدَهِي
من نُبلِ خِلٍّ صادقٍ مأمونُ
في زمنٍ غابتْ بهِ أخلاقُنا
يبقى الكريمُ النادرُ المكنونُ

ما أبهجَ الإنسانَ إنْ وجَدَ امرأً
يبقى على العهدِ القديمِ حنونُ
يُؤْثِرُ الإخلاصَ لا يخدَعْ، ولا
يُغريهِ دُنيا زائفٌ مضمونُ

قد يُثْقِلُ الأيّامَ حِملُ غُرورِها
لكنَّهُ في عِزَّةٍ مَصْيونُ
يَمضي على دربِ الصلاحِ مُهيبَةً
تَتَزاحَمُ المعنى بهِ الفنونُ

في صمتهِ حِكمُ العُصورِ وإنْ نَطَقْ
جاءتْ على قدرِ المَقالِ سُنونُ
فاصغوا، ففي الأبياتِ عِطرُ مروءةٍ
تَسري، وتَحكي خُلْدَهُ المِيزونُ

هُوَ نهجُ من يرنو لصفوِ حقيقةٍ
تسمو بها الأرواحُ والعيونُ
في صمتِها لغزُ الحياةِ، وإنّما
يفكُّهُ من بالعفافِ يصونُ

من يبتغي دربَ الوفاءِ فإنّهُ
درْبُ الكِبارِ، وطُهرُهُ ميمونُ
ما أكرمَ الخُلُقَ الرفيعَ إذا ارتقى
بالعقلِ حتى يُثمرَ التمكينُ

والنفسُ تُزهى بالسكينةِ كلّما
ساقَ الهدى دربًا لهُ مأمونُ
فتراهُ يسمو بالصفاءِ كأنّهُ
فجرٌ يُطلُّ ونورهُ مسنونُ

تَهفو القلوبُ إذا سَمِعتْ حديثَهُ
فيغيبُ عنها اللغوُ والفتنونُ
فاصغِ إلى نظمِ المكارمِ إنّهُ
نبعُ المعاني، والمُنى تُستَصانُ

فتراه في ليل الخطوب منارةً
تهدي، إذا ضلَّ الرفاق، عيونُ
إن غبتَ عنه ظلَّ يذكُرُ خُلَّةً
ما زال يزكو ذكرُها ويَصونُ

لا يبتغي حمدًا، ولا يطغى إذا
أثنَى عليه الحامدونَ، حُنونُ
صافي السريرة، لا تراهُ منافقًا
قولُه فصلٌ، وفعلهُ موزونُ

إن جالَسَ الألبابَ زادَ وقارُه
ويُهابُ منهُ الحُسْنُ والمجنونُ
يبني المكارمَ في الرِّضا وسكونِهِ
فكأنَّهُ في نُطْقِهِ قانونُ

ما نالَ رفعةَ مكرمٍ عن مكرُمةٍ
إلا لتقواه التي تَزْدِينُ
يبقى مثالًا للوفاءِ مُخلَّدًا
تروي المدى عن نُبْلِهِ السنونُ

من سِيرَةٍ تزدانُ كلُّ فضيلةٍ
تُروى، فتُحسَدُ حِكمَةٌ وفنونُ
قد صاغَ من صدقِ الضميرِ مهابةً
تزهو بها الأيامُ والقرونُ

يأوي إليه الحُلمُ حين تفرُّ من
قومٍ، وتأنسُ عندَهُ السُّنونُ
يُرضي بما قسمَ الإلهُ، فإنَّهُ
بالشكرِ يسكنُ قلبُهُ المكنونُ

إن حدَّثوهُ عن الخداعِ تبرَّأَتْ
من حولِهِ الأهواءُ والظنونُ
يسعى لإصلاحِ النفوسِ برفقِهِ
كالماءِ، يُحيي الجدبَ وهو حنينُ

لم تُغوهِ دنيا زائلٌ متاعُها
فكأنَّهُ في زُهدِهِ مفتونُ
يبقى النقاءُ له شعارَ مروءةٍ
تَسمُو، وتُخْلِدُ ذكرَهُ الفنونُ

فالعمرُ يمضي إنْ مضى بصفائِهِ
حُسنُ الخصالِ بهِ هو المضمونُ
تبقى المآثرُ شاهدًا لعظيمِها
ما عاشَ من في خُلقِهِ مفتونُ

ولئن طغتْ في الناسِ دُنيا زائلةٌ
يبقى المخلصُ الموثوقُ مأمونُ
لا يبتغي إلّا رضا مَولاهُ في
سعيٍ طهورٍ، نِيّتُهُ تَزْهُونُ

يزدادُ في عينِ الكرامِ مهابةً
ويَميلُ عنهُ الجاحدُ المفتونُ
قد صاغَ من نُبلِ الوفاءِ قصيدةً
تبقى، ويُتْلى مَجدُها المكنونُ

تَسمو المعاني كلّما تُتلى حروفُها
فكأنّها وحيٌ بهِ يُستَعينُ
ويظلُّ خِلُّ الخيرِ رمزَ كرامةٍ
يُحيي القلوبَ، ونورُهُ مَسْنونُ

 

الاثنين، 20 أكتوبر 2025

طَعمَ البهجةِ

ماضٍ ولى والتعليمُ دليلُهُ
وصفٌ خطَّهُ التاريخُ في السَّجيلِ
ذكرى تزدانُ بالألمِ الثقيلِ
وحِكَمٌ نَسَجَتْها يدُ الجيلِ الأصيلِ

أمسٌ مضى بتجاربٍ لا تنامُ
ودروسُهُ تُروى بأحلى الكلامِ
وتاريخُه محفوفُ بالألآمِ
وعلمٌ سما من كنزِ الأفهامِ

ماضٍ رحلْ لكنه كان عِلمًا
وتَعلُّمٌ من صبرِنا قد تَرسّما
تجربةٌ تَوشَحَت بالحِلمِ حكما
وفهمٌ أتى بالحرصِ حين تَقَدَّما

زمنٌ مضى بكشفِه أسرارا
وتعليمُه قد سَكَبَ الأفكارا
عصرٌ مضى، أحيا لنا الأزهارا
وتمييزُه أثمرَ فينا نوارا

مستقبلٌ مُعَدٌّ بالآمالِ
فُرصٌ تلوحُ ببهجةِ الأعمالِ
وغدٌ يَفيضُ بجاذبِ الجمالِ
وحظٌّ يُمنَحُ لصادقِ الآمالِ

فجرٌ يُشِعُّ بوعودِ الضياء
وآفاقُهُ كنوزٌ في الخفاءِ
أملٌ يُرفرفُ في ثوبِ السناءِ
وثَراءُ حِكَمٍ من ضياءِ البهاءِ

غدٌ أتى بالبُشرِ والسُّلوانِ
وآفاقُه جزاءُ المُجتهدينَ
مُقبلٌ بالرجاءِ والحنانِ
وسعادةٌ من رحمةِ الهادينَ

زمنٌ قادمٌ بالنعيمِ يلوحُ
وفُرصُه في الرِّبحِ لا تَنوحُ
مَصيرٌ يرقصُ في حُسنِ الرُّوحِ
وهناءُ قُربٍ في وُدِّ الصُّروحِ

حاضرٌ جاءَ بالعطايا الكريمةْ
وهديةٌ تزهو بثوبِ الهيبةِ العظيمةْ
ولحظةٌ زُرعتْ ببذورِ النعمةِ النديةْ
وعطاءٌ نفيسٌ بثقةٍ مستقيمةْ

آنٌ حَلَّ بالسرورِ البديعِ
ولحظةٌ مباركةٌ بالفَرَحِ الرفيعِ
واقعٌ يُزهرُ برجاءِ الربيعِ
ونعمةٌ أُهدِيَتْ بالودِّ السريعِ

يومُنا هذا بالبِرِّ حَفوفُ
وحضورُهُ بالفرحةِ مألوفُ
حالٌ يُؤمِّلُ قلبًا عطوفُ
ومَنَّةٌ بُورِكَتْ بعَطاءٍ وُدودٍ ألوفُ

لحظةٌ باللذائذِ تزدهرُ
وثانيةٌ بالخيرِ تَنتشرُ
ودقيقةٌ بالجمالِ تُصوَّرُ
وساعةٌ بالأُنسِ تُختصرُ

زمنُ الحاضرِ بالفضلِ يَعلو
ووقتهُ بالأملِ دوماً يَحلو
والراهنُ في هَيبتهِ يتجلّى
ونعمةٌ بالثقةِ تجري وتَسمو

لذةٌ خالصةٌ من الرحمةِ النقيةْ
وسرورٌ يُهدى بعزةٍ بهيةْ
وسعادةٌ وُلِدَتْ من روحِ الأمنيةْ
وفرحٌ أشرقَ من نعمةٍ سخيّةْ

فلنَنعمْ بالحُبِّ والرِّضا الوفيِّ
ولنَذُقْ طَعمَ البهجةِ الصَّفِيِّ
ونتذوقْ أملًا بطَعمِ النَّقيِّ
ونَحيَا ثقةً بقلبٍ سَخِيِّ

 

شَوْكُ الدروبِ

ليست القممُ الشامخاتُ تُعيينا
بل حبّةُ الرملِ الصغيرُ تؤذينا
تلكَ التي في الحذاءِ تخفى، وتُعثرُ
خُطى المسافرِ، فيدنو ويَحزينا

ما أثقلَ الهمَّ الصغيرَ بعيننا
من ألفِ تحدٍّ عظيمٍ يُدانينا
فالروحُ تَسقُمُ من توافهِ شغلها
وتنسى الذرى، حينَ صَغائرُ تُلهينا

والقطراتُ التي سُكِبَتْ من عَناءٍ
لم تذهبِ سُدى، ولن تَخذلَ الساعينا
بل تُورِقُ الأرضَ التي في نقائِها
يَنبتُ الجزاءُ، ويُزهرُ في نادينا

وكلُّ جهدٍ صادقٍ في مسيرتِه
يُغني الترابَ ويُثمرُ الماضينا
حتى تصيرَ النفسُ شكراً نديّةً
تُصافحُ الرِّضا، وتَروي مُحيّينا

وما التعبُ إلا من تَوافهِ دَربِنا
تُقيّدُ الخُطا، وتُثقلُ الحافينا
أما الأفقُ البعيدُ، ففيهِ دعوةٌ
تُنادينا، شجاعةً من نَوازينا

فعرقُ الشريفِ على جبينِ كِفاحِه
يَزرعُ إرثاً، ويُسقي أمانينا
ليبقى غدٌ، في النقاءِ مُثمرًا
ويحملُ خيراتِنا للآتينا

فلسنا بحاجةٍ لِرؤيةِ العُلى
لكن نُنقي الطريقَ المُدنّسَ فينا
فالعثرةُ ليست في الجبالِ شموخها
بل في قيودِ الخطى تُبكينا

والخصمُ حقاً في التفاهاتِ يكمنُ
لا في العوائقِ التي تُرعبُ العينا
فلنحرّر النفسَ من سُخفِ ما بها
ونبلغَ خيراً بصفاءِ مساعينا

تزهرُ الثمارُ على تُربةِ المُنى
حينَ يرويها العناءُ بأيدينا
فما خابَ من صَفّى نواياهُ طائعاً
وكانت لهُ الأفعالُ تَزيينا

من جاهدَ النفسَ بالحقِّ مُجتهداً
رأى مقاماً، جمالُهُ لا يُوارينا
يكبرُ خفياً، لا يُرى في مظاهِرٍ
لكن يُضيءُ القلوبَ ويَهدينا

النصرُ لا يأتي من ضوضاءِ مَنطقٍ
بل من يدٍ خفيةٍ تُرضي نادينا
فكم من بطولاتٍ سُطرت في الخفاءِ
وكانت لوجهِ الحقِّ، لا تَعلينا

فلنُنقِ الطريقَ من رمالِ أذاهُ
كي لا يعودَ التعبُ يَسقينا
ونُطلقُ خُطانا على سُبلِ الهدى
نرقى إلى الجناتِ تأوينا

فكم من صغائرَ تُسقطُ همةً
وتُهوي عزيزًا، كان فينا الأمانينا
لكن عظيمَ الظفرِ لمن صدقَ السّرى
وكان نقيَّ القلبِ في تكوينا

وحينَ تزولُ القيودُ الخفيةُ
تَذوبُ الآلامُ، وتَجلو ليالينا
ويُولدُ فينا من صفاءِ أرواحنا
نَفَسٌ جديدٌ، يَحيي الماضينا

فتبدو الجبالُ كأنها أحبّةٌ
إن ثبتَت الأقدامُ فينا، تُواسينا
بعدما زالت شَوْكُ الدروبِ وألمُها
تُصبحُ الطريقُ بِنورِها تُغنينا

 

مدى الحِكمَهْ

قانونُ القلوبِ الغريبُ العجيبْ
يفتحُ بابَ التقديرِ المُهيبْ
للَّامُبالاةِ إذا ما سرتْ
لا للحماسِ إذا ما انفجرتْ

فحينَ تَلوذُ بصمتِ السكونْ
تحظى بجاهٍ ومَجدٍ مصونْ
لكنّ شوقَك إن بانَ جلياً
يُلقى سُخريّةً واحتقارا قويّا

فما المالُ إلا متاعٌ زَهيدْ
يُعطى بسَهلٍ لِكلِّ وليدْ
ولكنَّ صدقَ انتباهِ القلوبْ
يظلُّ كنزاً عزيزَ الهروبْ

الوفاءُ نادرٌ، صادقُ البذلِ
والصدقُ دربٌ كفيضِ النهلِ
والسعيُ إذ يُبذَلُ بالإخلاصِ
يفوقُ أرباحَ كلِّ الناسِ

من وهبَ الودَّ بلا مقياسْ
ولا قيودٍ ولا احتراسْ
رأى الجحودَ عليهِ دليلاً
وطعنَ قلبهُ مستحيلاً

فالحبُّ إن قُدِّمَ باندفاعْ
ضاعَ على بابِ الاستباحْ
لأنَّ مَن لا يُجيدُ الوفاءْ
لن يَعرفَ للحرصِ أيَّ اكتفاءْ

مفارقاتُ العلاقاتِ بدتْ
فأسمى القرابينِ حينَ امتدتْ
لا تُثمَّنُ عندَ من لا يدري
لكنها عند الغريبِ تُقدَّرُ قدري

فالبُعدُ يَنسُجُ خيطَ الوقارْ
والقربُ يُخفي ضياءَ المَدارْ
فكلُّ صفاتِكَ إن بانتْ
تُصبِحُ عاديّةً إن دامتْ

ذاكَ الذي غابَ صارَ الثمينْ
أغلى من الصاحبِ المُستكينْ
ذاكَ المُحبُّ الوفيُّ القريبْ
لا يُرى إلّا كظلٍّ غريبْ

فلنتعلَّمْ فنَّ البُعدِ الحكيمْ
كي تبقى قيمتُنا لا تهيمْ
ونعرفَ كيفَ نُصانُ بقدرْ
في أعينِ الناسِ نبلغُ الفخرْ

فالناسُ مرآتنا في الحياةْ
تُظهرُ ما في قلوبِ النجاةْ
وتكشفُ ما فينا من انكسارْ
حينَ نراهم بوضوحِ المدارْ

تأثيرُهم مرآةُ الأرواحْ
يفضحُ ما نُخفيهِ في الوشاحْ
ويُبرزُ فينا خفِيَّ الجوانبْ
من بُرْعُمِ القلبِ رغمَ الحَواجِبْ

أمامَ الغيرِ نُبدي الصفاتْ
إمّا سماحةً أو خبثَ نياتْ
تَبرزُ حقيقتُنا بانعكاسْ
من ظرفِ موقفٍ أو التِباسْ

وما المالُ يُبدِّلُ ما قد كَمنْ
في عمقِ ذواتِنا إن سكنْ
بل يكشفُ من نحنُ في الأُسْرَهْ
ويُظهرُ فينا مدى الحِكمَهْ

فالثروةُ تختبرُ النفوسْ
وتُفصحُ عمَّا بها من دروسْ
فلا يُخفي الزيفَ فيها الغِطاءْ
بل يُظهرُ الحقَّ في الخَفاءْ

 

ريشةُ فنٍّ

ريشةُ فنٍّ تلامسُ الصفحاتِ
بلُطـفِ حُبٍّ وطيبِ الكلماتِ
حبُّ قلبٍ بفضلهِ مُكرماتِ
وسلامٌ يُغنـي الأرواحَ الهانياتِ

حِبرُ وردٍ يسيلُ على ورقِ
في حنانٍ كلمسِ طفلٍ برقِ
سكَنٌ يمنحُ النفسَ في أفقِ
واحترامٌ بوجهٍ مشرقِ

زخرفتْ بالخطوطِ المخطوطاتْ
زوجةٌ قادتِ الدربَ بثباتْ
والهدوءُ الجميلُ في الطرقاتْ
ثمّ مجدٌ يُشيَّدُ من نبَلاتْ

آيُ نظمٍ تزيّنت بالبهاءِ
ورفيقةٌ في المَدى والرجاءِ
وسكينةٌ تُلملمُ بالبُهاءِ
وجلالٌ يُصاغُ من الوفاءِ

مخطوطاتٌ تبرقُ بالأنوارِ
وحبيبةٌ تشفي كلَّ انكسارِ
والسكونُ يُداوي الانصهارِ
والعلوُّ من همسِها استقرارِ

حرفُ ذهبٍ على بياضِ الصفاءِ
وزوجةٌ في العُلا ذاتُ إباءِ
والهناءُ يحيكُ ثوبَ الرجاءِ
والفخارُ وليدُ حُسنِ العطاءِ

بلاغةٌ بقدسِها تتغنّى
ومُلهمةٌ للمعاني المثنّى
وبَهاءٌ بلَمسها قد تَمنّى
والنجاحُ من صدى صوتِها جنّى

نثرُها في البيانِ له رونقُ
وسليلةُ الطهرِ، زاهي الخلقُ
وإذا مسّ الجرحُ جاء الشِّفَقُ
والنُّهى من إشاراتها تُخلقُ

بيتُ شعرٍ بلحنِه مستفيضُ
وحبيبةٌ لحنُها لا يُبيدُ
راحةٌ في أناملِها تجودُ
والمَدى من فُهومِها يستزيدُ

فصاحةٌ في حديثِ الحنينِ
وجليسةُ القلبِ وقتَ الأنينِ
وسكينةٌ تُذيبُ الجنينِ
والمجدُ يُولَدُ من اليقينِ

شطرُ بيتٍ تبرّجَ بالذَّهَبِ
وزوجةٌ ذاتُ عزمٍ لم يَغبِ
والرضا في حنانِها لم يَغبِ
واسمُها في المفاخرِ لم يُكتَبِ

نقشُ نظمٍ على جدارِ السّكونِ
سيدةٌ تبوحُ بكلِ الفتونِ
والسلامُ يزيّنُ كلَّ الظنونِ
والمكانةُ من جلالِ السُّكونِ

سونيتٌ مرصّعٌ بالجمالِ
ومُلهمةٌ بالصفاءِ المثالي
هدأتْ حين قامتِ الليالي
وظفرتْ بالبهاءِ الخيالي

أنشودةٌ بلحنِها الكُحلُ بانْ
وحبيبةٌ تضمّنا في الحنانْ
طمأنينةٌ تشرقُ كلَّ مكانْ
وشموخٌ يُصاغُ من الأمانْ

قافيةٌ زُيِّنَت بالحُليِّ
وزوجةٌ بكلامِها كالمُليِّ
سَكَنٌ في سُطورِها لا يُجلي
والمكارمُ من عهدِها المُعلي

 

مرآة حُرّة

البعض يبقى نبيلاً، في الرّفاه الجليل
رغم الثراء الجارح، كالسّهم القتيل
وآخرون يضيعون، عزّهم في السرور
من أوّل الفرح، يهتزُّ فيهم الضمير

فالذهب يكشف الطباع الخفيّه
كما تكشف الشدّةُ النفسَ النقيّة
إمّا فضائلُ تُضيءُ الطريقَ بعطرها
أو رذائلُ تمضي بلا أيّ وقيّة

مرآةُ الغِنى تُظهر الثباتَ الأصيل
أو تقلُّبَ النفس في الوقت العسير
حين تزدهر الدنيا وتفتح ذراعها
يُبانُ الوفاء أو الهوى المستدير

فالقيم الصادقة لا تموت إن غَنِيت
ولا تذبلُ إن راقت عليك المراتب
تبقى كما هي، ولو جاءكَ الحُكمُ
تسمو، وإن علت عليك المناصب

من ظلّ نزيهاً، في عزّ السُّؤدد
وأُوتي من الدنيا ما شاء المدد
فهو صادق، في سكونٍ وبساطه
كأنّ الحقيقة فيه قد وُلدت

فنعيم اليسر أبلغ في الامتحان
من ضيق فقرٍ أو ألمٍ وهوان
فالمال يفضح ما نخفي من طباعٍ
ويكشفُ زيف النوايا والوجدان

حين يفيض المال يظهرُ الجنان
من فيه صدق؟ ومن فيه دخان؟
ألوانُ القلوب، تُرى في البذخِ
كأنّ الرخاءَ كاشفُ الميزان

والناسُ مرايا لبعضهم، بجلاء
في سلوكهم، نرى الخفاء والضياء
فما يخبّئ الإنسانُ في أسلوبه
يُقالُ بلا صوت، كأوضح نداء

والعلاقاتُ، مرايا لا ترحمُ
تكشف ما نغفو عنه ونتوهمُ
نور وظلّ فينا، وجها الحقيقة
بلا تزيين، ولا أيّ تَكلُّمُ

فلنقبل الدرسَ بوعيٍ وصبر
ولننظر في ذواتنا عبر الفكر
كي ننمو بصدق، ونرقى بفهم
لا دفاعًا بل طواعيةً للأثر

كل لقاءٍ، مرآة لما نُخفي
تكشفُ روحَك، وتُظهرُ ما تخفي
من صِدقك، من عمقك، من ذاتك
فلا تهرب من نور حقيقتك العفي

كالمال، تختبرنا الحياةُ بصدقها
تجردنا من زيفنا، تُظهرُ جوهرها
فمن نحن، ليس بما نُظهرهُ للعيان
بل بما نكونهُ عند الامتحان

الثروةُ ليست قيدًا، بل مرآة حُرّة
لمن رأى فيها ذاته مستبصرة
فلا تنكر ما تعكسه عليك الرؤية
بل اغتنم لحظة صدقٍ مُنيرة

وإن لم تُدعَ فلا تلحّ بالدخول
فالكرامةُ صمتٌ، والفهمُ عُقول
احترم حدودك، وإن ظننت القُرب
فبعض الأبواب، ليست لنا، ولن تكون

 

سرَّ الصمتِ

هواجسُ لا تنقضي، فيها الكِبَرُ انكسرْ
على جُروفِ الجهلِ، في بحرٍ غدا خَطَرْ
والروحُ تأبى أن تفيقَ من السُّدى
فتُفقدُ الكنـزَ الذي في العلمِ مُندَثرْ

واليقـينـاتُ سرابٌ خادعٌ، ينمحي
إذا هبّتْ رياحُ الدهرِ، وانكشفَ السَّتَرْ
ولا يدركُ سرَّ الكونِ في أوجِ العُلى
سوى قلبٍ تفتّحَ للجراحِ، وما انفطرْ

حقائقٌ، آلافُها، في الغيبِ مُحتجَبة
وراءَ صمتٍ ثقيلٍ، لا يُبوحُ ولا انتَصَرْ
محفوظةٌ في كهفِ وجدانٍ عميقٍ
لم تعبثِ الألسنُ بها، ولم يَطَلْها الخطرْ

من رحمِ التواضعِ يولدُ الفهمُ الجليّ
أمامَ أسرارٍ تحيطُ بنا كما القَدَرْ
ومن هشاشةِ النفسِ ينبثقُ العُلا
إذا تجلّى في الضميرِ المُستترْ

دروسُنا نُقِشَتْ بحبرِ التجربةِ الجسورْ
لا يقرأُ النقشَ سوى مَن بالنهى نظَرْ
منقوشةٌ في فُوَّهاتِ الوجعِ العميق
حيثُ الألمُ نَحَتَ الوعيَ واعتذرْ

أن نُبصِرَ دون حُكمٍ، أن نُصغيَ قبلَ قولْ
تلكَ الحكمةُ التي تُثمرُ فيمن اعتبَرْ
فالصمتُ يخلقُ للحقيقةِ مَوطناً
والجهلُ يمّحي حين يُنصَتُ للفِكَرْ

والخطأُ أستاذٌ كريمٌ لمن وعى
يَهدي إلى سُننٍ، تخفيها العِبَرْ
لكنه يُقصي الذي قد أغترَّ، أو
أعماهُ زيفُ الظنِّ، أو أغراهُ مَن كَفَرْ

تتّسعُ الآفاقُ في سَفرِ النفوسْ
حينَ يغوصُ المرءُ في ذاتِهِ البَشَرْ
ويكتشفُ كنوزَهُ المكنونةَ، إذْ
تُهديهِ تجاربُهُ إلى أسمى الدُّرَرْ

إنْ قبلنا أننا فانُونَ، انجلتْ
أبوابُ خلْدٍ من وراءِ المُنحَدَرْ
فمن يعِي أجنحتَهُ، يَسمُ بعُلوه
ويَحلِّقُ الحرُّ في أفقٍ قدِ ازدهَرْ

الحقائقُ التي لا يُفصِحُها البيانْ
تُشرقُ في أعماقِ وعيٍ قد نَضَرْ
ألغازُها سِرٌّ مقدَّسٌ، إذا
تجلّى، أذهلَ العقلَ وافتخَرْ

فالتواضعُ يخطُّ في أرضِ العلومْ
أخاديدَ نورٍ، زَرَعَ الفَهمَ والثَّمَرْ
وفي بساتينِ الوقارِ، نبتَتْ
زُهورُ وعيٍ، عطرُها لا يُنتَزَرْ

والأسرارُ التي حُفِظَتْ في القلوبْ
سَقَتْ نبتَ صبرٍ لا يلينُ ولا انكسرْ
وأنضجتْ ثمرَ السكونِ، بصبرِ مَن
أخفى يقينَهُ، ولم يَشْكُ ولم يَجُرْ

أن نعترفَ بجهلِنا، شرفٌ جليلْ
بهِ نلامسُ سرَّ عِلمٍ قد كَبُرْ
وفي اعترافِ النفسِ بعجزِ جناحِها
تحلّقُ الأرواحُ، وتبلغُ ما نَدَرْ

فالظاهرُ يُمزَّقُ، إنْ صدقْنا النَّظَرْ
وتنكشفُ الحقائقُ إن صدَقنا الخَبرْ
تُظهرُ الأكاذيبُ ما أخفَتْهُ طويلاً
فتنجلي من باطنِ العمقِ العِبَرْ

والرُّشدُ أنْ نصمتَ، إذا الكلمُ خبا
إذا غدا القولُ هراءً لا أثَرْ
فنمّي فيك سرَّ الصمتِ، تنجُ به
من قيدِ نفسٍ، يُحطّمها الهَذَرْ

 

أحكامُ الورى

تمحو أحكامُ الورى إذ نستكينُ
وترى السكينةَ في الفؤادِ تُقيمُ
وليس بعدَ الظفرِ خوفٌ يعتري
روحًا عرفتْ ذاتَها فتسيمُ

تذوي صدى الآراءِ إن صدقُ الهوى
ملأ القلوبَ، وزالَ عنها السُّومُ
والمجدُ في نفسِ الفتى إنْ عرفَتْ
قَدْرَ النفوسِ، فذاكَ أعظمُ قَيمُ

والعلمُ يكشفُ ما خفي من جهلنا
ويزيلُ عن أبصارِنا التَّعتيمُ
كلَّا، يظلّ المرءُ مهما ارتقى
يكتشفُ البحرَ الذي لا يُحْتَكَمُ

يزدادُ تواضعُ ذي النهى في عمرهِ
والصبرُ زادٌ للفتى المعصومُ
يكشفُ التعلمُ حدَّنا المستورَ في
رحلاتِ بحثٍ ما بها تسويمُ

تذوي أوهامُ العُظمِ تحتَ تأملٍ
فالمجدُ يولدُ من جَراحٍ دومُ
واللامبالاةُ إذا سمتْ تُنجي الفتى
من حُكمِ قومٍ ما لهم تسليمُ

والعلمُ إذ بلغَ الغزيرَ أبانَ ما
في النفسِ من صِغرٍ به تسليمُ
لكنَّ ذاك الحزنَ صارَ رفيقَنا
فأمدَّنا بالوُدِّ والتكريمُ

فلنستقلْ بالرأيِ عن أهواءِهم
كي لا يُقيدَ فكرُنا التحكيمُ
نادِرْ صديقٌ في الحياةِ وفاؤهُ
يسعى لصدقٍ، همُّهُ التكريمُ

فالصحبُ تُعرفُ بالثباتِ وبالوفا
لا بالمجاملةِ التي لا تدومُ
ميزِ المحبةَ إنْ أتتكَ صريحةً
عن تلكَ ألوانِ الهوى الموهومُ

إنَّ الإصغاءَ يحوّلُ الأحاديثَ التِي
تحيا إلى وصلٍ به تسليمُ
لكنَّ جَفْوَ السمعِ يمحو نورَها
ويُميتُ في قلبِ الهوى التنغيمُ

واحفظْ كرامتَكَ العزيزةَ دائمًا
فهي الحصينُ لجَمالِنا المرسومُ
لا تنحنِ للأمرِ إن جارَ الزمانُ بنا
فالحرُّ حرٌّ وإن ضاقَت بهِ السُّبُلُ

 

بُسْتانَ الفؤادِ

صُنْ صَحْبَكَ الصِّدقَ الذي لَزِمَ القِيَمْ
فبهِ تُشادُ بيوتُ وَدٍّ مُحْكَمِ
فالمرءُ بينَ الناسِ يُعرَفُ قدرُهُ
بالصُّحْبِ، لا بالمالِ أو بالمَغْنَمِ

إذا الاحترامُ تَبادَلَتْهُ قلوبُنا
شادَ الودادُ دعائمًا لا تُهْدَمِ
والجَفْوَةُ العمياءُ تَهْدِمُ ما بَنَتْ
أيدي المحبةِ من عُرًى وتَنَعُّمِ

فارْفُضْ تهاونَ من يُهينُ كرامةً
واصنَعْ جدارَ العزِّ حولَ الحُرَّمِ
إنَّ الودادَ الصّافيَ المصقولَ لا
يحيا بظلِّ تهاونٍ أو مأثَمِ

والصُّحبةُ السطحيةُ العجلى تَذُوبْ
عند الرياحِ كزَهْرِ روضٍ يُسْلِمِ
أمَّا الصداقاتُ العريقةُ فَثَبْتُها
يبقى أمامَ جَوائحٍ وتَقَلْقُمِ

وإذا دَعَاكَ النُّصحُ للترحالِ فَانْــضَحْ
خَطوَكَ الحُرَّ المُعَزَّزَ بالعِزِمِ
لا تَرْضَ بالبُغضاءِ تَسْطُو في الحَشَا
فتُميتَ فيكَ بهاءَ روحٍ مُلهَمِ

والودُّ لا يَحْيا بغيرِ مُبادَلٍ 
في الحبِّ والإحسانِ دونَ تَصنُّمِ
فالصدقُ تاجُ الصَّحْبِ إن هم غابَهُ
سَقَطتْ روابطُهمْ بليلٍ مُظلِمِ

والقلبُ يعرفُ نُبْلَ قلبٍ مثلَهُ
بالفِطْرَةِ البيضاءِ دونَ تَوَهُّمِ
والروحُ إن ولِدَتْ جديدًا أَلْفَتِه
أرواحَ تُشْبِهُها بصفوِ التَّوَسُّمِ

فاعرفْ صديقَك بالتمييزِ ولا تَدَعْ
للعابثينَ مداخلًا في المَحْرَمِ
فجواهرُ الأصحابِ تُدْرَكُ بالذَّكَا
لا بالعددِ المُستفيضِ المُكْثَمِ

واكْرِمْ منَ الأصحابِ مَنْ كَرُمَتْ يَداهُ
وأَعْرِضْ عن المستخفِّ المُجرِمِ
فالصفوُ يَجمعُ من يُشابهُنا وفا
واللؤمُ يَلفظُ نَفْسَهُ كالمُجْرَمِ

إنَّ الحقيقةَ في النفوسِ جَذابةٌ
تُؤوي الكرامَ وتطردُ المتَحَطِّمِ
واحفظْ بُسْتانَ الفؤادِ مُصانَةً
من كيدِ باغٍ أو خُبُثِ المُغْتَنِمِ

فالصَّاحِبُ الوفيُّ يَبقَى حولَنا
في الشِّدَّةِ العَظمَى كأَصلٍ مُحْكَمِ
أمَّا الزَّعيْمُ بوجهِ زورٍ زائفٍ
يَغدو كظلٍّ زائلٍ متقوِّمِ

واجعلْ وُدودَكَ في الذي يَسْتَحِقُّهُ
فالانتقاءُ سبيلُ عُمْرٍ مُنعِمِ
فالحبُّ يُعطي دونَ طَمْعٍ في الجزا
لكنَّهُ يَحيا بظلِّ المُلهِمِ

واحفظْ حدودَك كالعَلَمْ في سَاحِهِ
لا ينثني للغادرِ المتجرِّمِ
فالحُرُّ يَرسُمُ بالسَّدادِ جُدودَهُ
كي يحفظَ المجدَ المُعَنَّى بالعَظَمِ

فالصحبُ دُرٌّ، إنْ صفَوْا أضاءَنا
كالبدْرِ في ليلِ الظلامِ الأعتمِ
واخترْ من الناسِ القلوبَ نقاءَها
فالنخلُ لا يُهدي سوى التمرِ الأتمِّ

 

نغمةِ صدحٍ

دع عنك قيـس الجَـمـالِ بـمَــن قـيـاسِـهـمْ
فالـزهرُ يـفـتَحُ لا يُـلـقـي لِـمَـن نــبَــسِ

كلُّ الخليقةِ تمضــي في طــريــقِ هُـــدا
لا تَرتــجــي مـــدحَ جـــارٍ أو رضـى نَفَــسِ
فالـــوردُ يَـنــشُرُ عِــطــراً دونَ ما غَـيَـــرٍ
ويُهدي الضــوءَ لا يَسعى إلى القِـيَــسِ

والمبدِعُ الحقُّ لا يَغشاهُ مُقارنةٌ
بل يَستقي قُوَّةً مِن صَفـــوِ مُلْتَمَسِ
إنّ المُــقـارنَ يُطــفــئُ فيـهِ أنــجُــمَهُ
ويَخسِرُ الروحَ في سِبـاقٍ بلا حَرَسِ

فالـبُستانُ الأحـلـى يَــزدَهـي تـنـوُّعَهُ
لا يســتوي غُصنُــهُ طَوعــاً مع الغُرَسِ
تـــزهـــو الفــرادةُ إذ تَــفــنَى مــنـافِســةٌ
ويَنبتُ الفكرُ في صَفـــوٍ بلا دَنَــسِ

والعُمرُ مَوسِمُهُ يأتي بأزاهــرهِ
بِحَسْبِ ما أَودَعَ الخلاّقُ مِن نَفَسِ
فـأَطـلِـقِ المـوهِـباتِ الطُّـهـرَ صـافِـيـةً
ودَعْ هَوى القَسْرِ يُمحى مِثلَما دَرَسِ

إنّ الجمــالَ الأصيلَ النــورُ يُـولِـدُهُ
رِضـــى القلوبِ وإغضــاءٌ عن المَــقِــسِ
والنجمُ في أفقِه لا يســتـبـقُ صاحِبَهُ
كُلٌّ يُضيءُ على مـــا أَودَعَ الحَــرَسِ

فـــاحـــفَظْ فــرادتَك الغرّاءَ لا حَسَدًا
تَــبْلُغْ صفــاءً كـــأشعــاعٍ مِـن القَــبَـسِ
والكــونُ أَحسَــنُ إذ يَزدادُ مُتَّحِــدًا
فـكـلُّ نَغْـمَــةِ صـدحٍ تَـــرفَـــدُ الجَرَسِ

مَــن قَبِــلَ الفِطــرةَ الغرّاءَ مَغرسَهُ
ســبَّحَ الإبداعُ فيهِ مُعجِــبَ النَّفَسِ
سلِّ القلوبَ عن السكينةِ في النَّفَسِ
تُهدِك صَفوًا بغيرِ الوزنِ والمِقَسِ

لا تُكثِرِ النَّظرَ المَسمومَ في أُفُقٍ
يُوهِمُك الحُسنُ فيهِ وهو في التَبَسِ
دع عنك قَيسَ الجمالِ بمَن قِياسِهِمُ
فالزهرُ يَفتَحُ لا يُلقي لِمَن نَبَسِ

كلُّ الخليقةِ تمضي في طريقِ هُدى
لا ترتجي مدحَ جارٍ أو رضى النَّفَسِ
فالوردُ ينشرُ عطرًا دونَ ما غَيَرٍ
ويُهدي الضوءَ لا يَسعى إلى القِيسِ

والمبدِعُ الحقُّ لا يَغشاهُ مُقارنةٌ
بل يَستقي قوةً من صَفْوِ مُلتمسِ
إنَّ المقارنَ يُطفئُ فيهِ أنجُمَهُ
ويَخسرُ الروحَ في سباقٍ بلا حَرَسِ

فالبستانُ الأحلى يزدهي تنوُّعَهُ
لا يستوي غُصنه طوعًا مع الغُرَسِ
تزهو الفَرادةُ إذ تفنى منافسةٌ
وينبتُ الفكرُ في صفوٍ بلا دَنَسِ

والعمرُ موسِمُهُ يأتي بأزاهرهِ
بحسبِ ما أودع الخلّاقُ من نَفَسِ
فأطلقِ الموهباتِ الطهرَ صافيةً
ودع هوى القسرِ يُمحى مثلما دَرَسِ

إنَّ الجمالَ الأصيلَ النورُ يولدُهُ
رضى القلوبِ وإغضاءٌ عن المَقِسِ
والنجمُ في أفقهِ لا يَستبقُ صاحبَهُ
كلٌّ يُضيءُ على ما أودع الحَرَسِ

فاحفظْ فرادتَك الغرّاءَ لا حسدًا
تبلغْ صفاءً كأشعاعٍ من القَبَسِ
والكونُ أحسنُ إذ يزدادُ متَّحدًا
فكلُّ نغمةِ صدحٍ ترفدُ الجَرَسِ

مَن قبِلَ الفطرةَ الغرّاءَ مغرسَهُ
سبَّح الإبداعُ فيهِ معجبَ النَّفَسِ
فالعزُّ في أن ترى نفسَك كما خُلِقَتْ
لا في اللحاقِ بظلٍّ زائفِ الحِرَسِ

 

صبرَ يـدٍ

خريفُ عمري أهدَتِ الأيَّامُ حِكَمِي
وَمَضَتْ تُعَلِّمُنِي وُقُورَاتِ القَلَمِ
وَجَرَتْ جَرَاءَ الفَتَى فَغَدَا هَوَانِي
فَأقَمْتُ فِي حِضْنِ الحَنَانِ عَلَى قَدَمِ

وَأَتَى صَبَاحٌ لاحَ يَكْسُو خُطْوَتِي
ضَوْءَ الرِّضَا وَيُرِي الجَمَالَ بِلَا نِعَمِ
وَرَأَيْتُ عُرْيَ الشَّجْرِ يُبْدِي سِرَّهُ
أَنَّ الجَمَالَ بِغَيْرِ زِينَتِهِ أَعْمِي

وَمَضَى جُنُونُ الأَمْسِ حَتَّى أَخْمَدَتْ
رُوحِي لِتَطْلُبَ جَوْهَرًا أَبَدًا يَقِيمِ
وَهَجَرْتُ زَهْوَ العَيْشِ حَتَّى أَسْكَنَتْ
رُوحِي بِوَسْطِ الحَالِ فِي عَيْشٍ قَسِيمِ

وَتَعَلَّمْتُ الصَّمْتَ أَسْمَعُ نَفْسِيَ
وَأَذُوقُ سِحْرَ اللَّحْظَةِ الهُدْبِ الحُلُمِ
وَشَمْسُ مَغْرِبِي أَرَخَتْ رِدَاءَ عَفْوٍ
وَالسَّمْحُ يُسْلِي الرُّوحَ فِي لَحْنٍ نَغِيمِ

وَمُرُورُ أَيَّامِي حَوَى رَحِيقَهَا
وَالقَلْبُ حَافِظُ كُلِّ فَنٍّ مُكْرَمِ
وَتَخَلَّصَتْ نَفْسِي مِنَ الضَّوْضَاءِ حَتَّى
أَصْغَيْتُ لِلصَّحْبِ القَرِيبِ عَلَى قَدَمِ

وَرَفَعْتُ عَيْنِي لِلْمَدَى فَتَسَاوَتْ
عِنَايَةُ الصَّغِيرِ وَالعَظِيمِ فِي انسِجَامِ
وَثَبَتُّ فِي وَجْهِ الرِّيَاحِ وَرَسْمُهَا
فِي الصَّحْفِ يَخْطُرُ حَافِرًا أَثَرَ القِيمِ

وَشَرَفُ الرُّوحِ المُصَفَّى زَادَنِي
عِطْرَ الزَّمَانِ وَرِقَّةَ القَلْبِ الكَرِيمِ
حَتَّى بَلَغْتُ تَاجَ نُضْجٍ رَائِقٍ
وَسَمِعْتُ أَلْحَانَ المَسَاءِ عَلَى نَغِيمِ

فَهَذَا حَصَادُ العُمْرِ أَزْهَرَ بَعْدَ أَنْ
عَبَرَ الزَّمَانُ وَقَدْ تَسَلَّحْتُ بِالحِكَمِ
وَصِرْتُ فِي مَأْوًى بَعِيدٍ هَادِئٍ
أَهْدِي الرَّحِيقَ لِمَنْ تَبَوَّأَ فِي حُشَمِ

وَنَجْمُ قَلْبِي فِي الظَّلَامِ دَلِيلُهُ
وَالوَقْتُ حَانَ لِقَبُولِ مَا جَرَى بِفَهْمِ
وَقَوْسُ عُمْرِي شَيَّدَتْهُ صَابِرًا
حَتَّى تَمَامَ العَهْدِ فِي عِزٍّ وَحِمْيِ

خريفُ عمري أهدَتِ الأيّامُ حِكمـي
وفـي دُروسِ الدهرِ أشرَعتِ القَلَمـي
جـرأةُ الفتـى ولّتْ وأبصرتِ المُنى
فـأقمتُ فـي حضنِ الحنـانِ علـى قُدُمـي

وفجـرُ صبـحٍ لاحَ يكسـو خطوتـي
ضوءَ الرضا، ويُري الجمالَ بلا نِعَـمـي
والشجـرُ العاري يُنادي سِرَّهُ
أنَّ الجمالَ بغيرِ زينتِهِ أعَمـي

ومرُّ عمري أذْهَبَ السَّفهَ القديمَ
فغدوتُ أطلبُ جوهرًا أبـدًا يقـيمـي
هَجرتُ زهوَ العيشِ، أسكنُ وسطَهُ
وأحببتُ البِساطَ كنـزَ مَعيشَتـي وعَـمـي

وتعلّمتُ الصمتَ، أسمعُ أنفسي
وأذوقُ سِحرَ اللحظـةِ الهُـدبِ الحُلُـمـي
وشمسُ مغربي ترميني بعفوِها
وسمـاءُ نـورٍ تُسلّي الروحَ فـي الألَـمـي

مُرارةُ الأمسِ انقلبنَ رحيقَها
والقلبُ صانَ لكلِّ فنٍّ أعظَمِـي
تحررتُ من ضوضاءِ عيشٍ جائرٍ
وأصَختُ سَمعي للقريبِ علـى قَـدَمـي

فارتقى نظري إلى بُعدِ المدى
يحتضنُ الصغيرَ معَ العظيمِ في انسجـامـي
وثبَتُّ رغمَ الريحِ، أرسمُ خطوتي
والحقُّ يَخطُرُ في صحائِفِ أيّـامـي

شرفُ الروحِ المُصفّى زادَني
عِطـرَ السنينِ وأعطَفَ القلبَ الغَشِيمـي
وبلغتُ تاجَ النضجِ، أسمعُ لحنَهُ
مساءً يُغنّيهِ هدوءُ مُسَلَّمِـي

فهَذا حصادُ العمرِ، أزهَرَ بعد أنْ
عبرتُ هاويةَ الزمانِ على حِكَمـي
وصِرتُ في مأوى بعيدٍ هادئٍ
ألقى الرحيقَ لمن تبوّأَ في حِشَمـي

ونجمُ قلبي في الظلامِ دليلُـهُ
والوقتُ حانَ لِقَبولِ ما جَرى بفَـهْمـي
وقوسُ عمري شيّدتهُ صبرَ يـدٍ
حتى تمـامَ العَهدِ، أكـرمَ قَسَمـي

 

نشيدُ عهدٍ

جرحٌ خفيٌّ يبوحُ بما يعانوهُ منْ شجنِ
وجمرٌ دفينٌ يوقظُهُ سناكَ في العلنِ
وجمالُكَ الجامحُ يُحيي البذورَ في المِحنِ
ويقلبُ الأفئدةَ رغمَ مكرِهمُ الكامنِ

حاجزٌ مشيَّدٌ يحرسُ أحلامَهمْ في السَّكنِ
وخريرُ أجنحةٍ يعكّرُ صفوَهمْ والزمنِ
وثغرةٌ تُفتحُ نحوَ شمسٍ بلا وَهنِ
وتعميدُ نارٍ يطهّرُ جرحَهمُ المُعلَنِ

تأرجحُ الشوقِ في أرواحِهمْ أبدًا
وبرعمٌ وُلِدوا لا يعرفونَ لهُ أبدًا
وحرقَةٌ غريبةٌ في عمقِهمْ جَمَدَا
ونفيُ ما أحبّوهُ منْ عمرِهمْ سَدَدَا

بلسمٌ مجهولٌ يجري منْ رحيقِكِ سَرْمَدَا
وحصنٌ هشٌّ يقيهمْ شكَّهمْ أبدَا
وشجاعةٌ تولدُ في وجهِ الحقائقِ صَمَدَا
وشوارعُ أوصدتْ عاداتِهمْ عَهْدَا

غصنٌ ممدودٌ نحوَ أرضِهمُ المعهودةِ
وهزّةُ الحُبِّ في دفءِ اختلافِكَ المعبودةِ
ونورُكَ الصافي يكتبُ قصةً ممدودةِ
وبركةٌ خفيّةٌ في أوجِ آلامِهمْ المردودةِ

سوارُ ذهبٍ يحيطُ بحريتِكِ الفريدةِ
وحفيفُ أوراقٍ منْ خوفِهمْ الشديدةِ
ومهدُ سلامٍ لحقيقتِهمْ الجديدةِ
وبوصلةٌ ضاعتْ في عناقِهمْ البعيدةِ

معموديةُ النورِ تُزهرُ في دروبِهمُ
وقلعة بُنيتْ في شرفِكَ سُحبُهمُ
فتاتُ أملٍ يسكنُ في جوفِ كربِهمُ
ورايةُ المجدِ تعلو فوقَ حبِّهمُ

وزادٌ خفيفٌ يقابلُ أثقالَهمْ المُثقلةِ
وبركةٌ تُهدى لمنْ فهمَ المسألةَ
وشاطئٌ جديدٌ يرشدُ مراكبَهمُ المقلّةَ
وشجاعةٌ تُمنحُ كي يمدّوا ظلالَهمُ المَوصَلةَ

نسيمٌ لطيفٌ يمسحُ عنْ جباهِهمُ الغُيوما
وجمالُكَ الجامحُ يستوقفُ القلوبَ العَتيما
ويُقلبُ أيّامَهمْ ويجعلُ صبحَهمْ فَهِيما
ويُعمّدُ فجرًا جديدًا يمحو الدّجى القديمَا

حوضٌ عميقٌ فيهِ تتراءى مخاوفُهمْ
وتطريزُ وجودِكَ يكسو جوانبَهمْ
وثغرةٌ تُفتحُ نحوَ عالمٍ يُرضيهمْ
وبركةُ الصمودِ في معركتِكِ تُحييهمْ

شجاعةٌ راسخةٌ تهدي خطاكَ الوَجِلةَ
ونجمٌ خفيٌّ يرسمُ لكَ دربَ القافلةَ
ويكبرُ اليقينُ مهما دارَتِ المَسألةَ
وتاجُ أملٍ يبدّدُ شكَّهمْ والذِّلّةَ

وقصرٌ بعيدٌ يلوحُ في الأفقِ البعيدِ
وغناءٌ داخليٌّ يسندُ المسيرَ الرشيدِ
وناقوسُ فرحٍ يعلنُ موسمًا جديدِ
وفارسٌ صبورٌ يتابعُ الطريقَ السديدِ

كريستالُ إيمانٍ يلمعُ في أعماقِ القلوبِ
ولمسَةُ ربٍّ تُطفئُ الانتظارَ في الدروبِ
وسحرٌ عظيمٌ يهزمُ كلَّ علّةٍ وثُغوبِ
وعمودُ نارٍ لا يئنُّ منْ قيظٍ ولا حروبِ

كاتدرائيةٌ خفيّةٌ تُشادُ في الخفاءِ
ونبضُ إيقاعٍ واثقٍ يقودُكَ للصفاءِ
وكأسُ عطاءٍ يُروى بهِ العزمُ في البقاءِ
ونشيدُ ماضٍ يهدّئُ أيّامَكَ في الرجاءِ

أسيرُ قيودٍ كبّلتْ اندفاعَكَ المكبوتَ
ومفترقٌ سرّيٌّ ينفتحُ لكَ الطريقَ المثبوتَ
ودفءُ وعدٍ يبعثُ الحياةَ في المخطوطَ
وسماءٌ مكلّلةٌ بالنجومِ تؤكّدُ الإيمانَ المربوطَ

جرحٌ دفينٌ في القلوبِ مكينُ
ونداكِ يشعلُ جمرةَ المكنونِ
وجمالُكَ البسّامُ يوقظُ نطفةً
فيها يُفاجَأُ مكرُهمْ المأفونِ

سدٌّ يصدُّ صهيلَ جرحٍ نائمٍ
وحفيفُ أجنحةٍ يبدّدُ سكوني
وثغورُ شمسٍ قد أطلَّتْ منْ مدى
لتعمّدَ الجرحَ القديمَ الحزينِ

والشوقُ يرقصُ في النفوسِ كأنَّهُ
ريحُ الربيعِ إذا هببنَ حنونِ
وبرعمُ وِدٍّ في الضلوعِ تأصّلَتْ
لكنهمْ لمْ يسمّوهُ العنينِ

رَشحُ الرحيقِ يسيلُ منْ أسرارِكمْ
فيحضنُ القلبَ الغريبَ الهونِ
والشكُّ ينهارُ العتيقُ حصونُهُ
ويقومُ صرحُ يقينكمْ المكنونِ

غصنٌ ممدودٌ إلى أرضِ العِدى
وعبيرُ فرقِكَ يملأُ التكوينِ
ونقاءُ وجهِكَ حُرّفًا في قصةٍ
تمحو ظلامَ الأمسِ بالتبيينِ

سوارُ ذهبٍ حولَ معصمِ حرّةٍ
والخوفُ يرجفُ في صدى المكنونِ
ومهادُ سلمٍ يحتضنْ أسرارَهمْ
وبوصلةُ الأمسِ انطفَتْ في العينِ

نورٌ يُعمَّدُ في مسارِ خطاهمُ
وعيلته تلوحُ بطريق من نورهم
وأملٌ يقطرُ منْ حطامِ أسىً
ورفوفُ مجدٍ تُرفعُ التمكينِ

زادٌ خفيفٌ يبتسمْ في حملِهمْ
والفهمُ يفتحُ بابَ كلِّ ظنونِ
وشواطئٌ تُهدي السفائنَ موئلًا
لتضمَّ مَن غاصوا بأسىً مكنونِ

نسَمٌ رقيقٌ فوقَ جبْهتِهمْ سرى
وجمالُكَ الجموحُ في التكوينِ
يُقلبُ التاريخَ حتى ينطفي
ليلٌ قديمٌ بالضحى الميمونِ

حوضُ المخاوفِ فيهِ تُعكسُ صورةٌ
منْ نسجِ روحِكَ بالضياءِ الهونِ
وبشائرُ الفجرِ الذي يدعو المنى
تفتحُ بابَ الخيرِ للمغبونِ

شمسُ الشجاعةِ قد رسَتْ في خافقي
ونجومُ عهدِكَ ترسمُ التبيينِ
واليقينُ يكبرُ لا يثنِيهِ ما
جربتَهُ الأيامُ في التمكينِ

قصرٌ بعيدٌ في الأفقْ متسامِقٌ
وغناءُ ذاتِكَ يسندُ التكوينِ
ونواقيسُ فرحٍ تعلنُ موسمًا
وفارسٌ يمضي على التسكينِ

كريستالُ إيمانٍ بعمقِ القلبِ قد
لمعَ احتفاءً بالمنى المكنونِ
ولمسَةُ رحمانٍ تُطفئُ وحشةً
وسحرُ روحِكَ يَسحرُ الموهونِ

صرحُ الخفاءِ شُيّدَ بالعزمِ الذي
يرعى خطاكَ إلى العُلا المصونِ
وكؤوسُ بذلٍ للذي يتقوّى
ونشيدُ عهدٍ يسكنُ التحنينِ

أسرى القيودِ تكسّرتْ أغلالُهمْ
وانفتحَ الفجرُ على التكوينِ
ودفءُ وعدٍ في يديكَ يعيدُ ما
ضاعَ، ونجْمُكَ شاهدُ الميمونِ

 

تلألؤَ النَّجمِ

يا شَــلَّالَ فَضــلٍ جــُدتَ حَــتّى أَغــرَقـا
وسَقَــيـتَ أرْضَ الحُـبِّ زَهـرًا أزْهَقـا
يا صَــرْحَ صَـبْرٍ لا تـُـهَـدُّ دَعـائِمـُهُ
قَـد صــانَــهُ مِــن نَـكــدِ الـدَّهـرِ التُّقَى

يا نَــفْــحَ بــوقٍ فِــي الفَضــاءِ مُـبَشِّرٍ
يَدعُــو القلــوبَ لِـوَعْــدِ عِـزٍّ مُحْـدَقـا
يا خَــطَّ قَــدَرٍ في اللُّـطــفِ قَــد رُسِـمَتْ
مَــعــالِــمُــهُ فـي الحُـسْنِ حَتّى أشرَقـا

يا كَهْـفَ عليٍّ والمَـواهِبُ كَنـزُهُ
قَد أَخْفَـتِ الأيَّامُ سِـرًّا أَعْـمَـقـا
يا حَــبْـلَ وصْـلٍ نَـحْـوَ سَـمْـكِ مُـمَـدَّدًا
يَسْـمُـو بِنَــا حَـتّى ارتَـقَـيْـنـا أُفُـقـا

يا بُـرْجَ وَعْدٍ فِــي الغُــيُوبِ مُــشَــرِّفًا
يَهـدي الفــؤادَ نَـقَـاءَ عَيْشٍ أَصْـدَقـا
يا حُـلْمَ مَـجْدٍ قَـد بَنَـيْتَ أُسُـسَهُ
وزَيَّـنَـتْ قِـبَـابُـهُ ذَهَبـًا مُـشَـرَّقـا

يا فَـيْـضَ خَـيْـرٍ قَـد سَـكَبْتَ فَواضِـلًا
مَلَـأتْ جَـمِيـعَ الأرضِ نُورًا مُـغْـدِقـا
يا فَــارِسًا فِي صَـمْـتِـهِ مُتَأمِّـلـاً
يَرْقُـبْ مَـواعِيدَ العُـلا مُـتَـشَـوِّقـا

يا طَـائِرَ السِّـلْـمِ البَيـاضِ مُبَـشِّـرًا
بِالبِـشْرِ يَـهْـدي للعُـيـونِ تَـألُّقـا
يا سالِكًا دَرْبَ العَزيمةِ واثِقًا
لم يَـخْـشَ يومًا أن يَضِـيقَ الطُّـرُقـا

يا تاجَ فَـخْـرٍ قَد أتَـى في مَـوكِبٍ
يَـزْهُـو ويَـحْـمِلُ للحُـرُوفِ تَـألُّقـا
يا قافِلـةَ الأيَّـامِ فِي أُنسِ الهَـوَى
تَـمْـضِـي إلـى حُلُـمِ النَّـدى مُتَـأنِّـقـا

يا فَتْـحَ روحٍ للـممالِكِ كلِّها
وتَـألُّـؤَ النَّجْـمِ الـذي قَد أَبرَقـا
يا قَـبْـسَ سِـرٍّ مِن لَدُنْ لا مُـنْـتَهـى
يَهْـدي القلوبَ ويَغْـسِلَ الإحْـدَاقـا

يا يَرْقَـةَ الحُلْـمِ الـتي قَـد أزْهـرَتْ
فَغَدَتْ فِـراشَ الحُسْـنِ حُـرًّا مُـطْـلَـقـا
يا فَــارِسًا بِالقَـلْبِ مُتَـوَّجَ رفعةٍ
قَـد نَـالَ مِـنْ حُصُـونِه الإسْـمَـاءَ

يا يومَ مِيلادِ العُـهُـودِ جَـدِيدَةً
زَيَّـنْـتَ بالأفـلاكِ حُلْـمًا مُـشرِقـا
يا صَـوتَ حِـكْـمَةِ مُـرْشِدًا ومُـؤدِّبًا
قَـد زادَ فِي الأرْواحِ نُـورًا أَحْـدَقـا

يا شَلالَ فضلٍ قد جَرَيتَ نَقاءَ
تَسقي الرُّبى وتُنيرُ في الأرجاءَ
يا صَرحَ صَبرٍ لا يَضيقُ بعاصفٍ
وتُقيمُ في قلبِ الزمانِ بَقاءَ

يا نَفحَ بوقٍ في المدى مُتهلِّلٍ
يبشِّرُ الأرواحَ بالإلقاءَ
يا خطَّ قَدَرٍ رُمتَهُ في لوحةٍ
تَنسابُ في طُرقِ المدى ضياءَ

يا كهفَ عليٍّ والمَواهبُ كنزُهُ
ومفاتيحُ فكرٍ صاغَتِ الأهواءَ
يا حَبلَ وصْلٍ للسماءِ ممدَّدًا
تَسمو بنا وتَشُدُّنا للعَلياءَ

يا برجَ وعدٍ في الغيوبِ مُشرّفًا
يُهدى القلوبَ تَباشِرَ الإحياءَ
يا حُلمَ مجدٍ شُيّدَت أركانُهُ
وزُيِّنَت قِبَابُهُ الذهباءَ

يا فيضَ خيرٍ من قرونِ عطائِهِ
قد ملأَ الأكوانَ والأنحاءَ
يا فارسًا في صَمتِه متأمّلًا
يَرقُبُ مواعيدَ العلا إحصاءَ

يا طائرَ السِّلمِ الذي برسالةٍ
أهدى إلى الأرواحِ خيرَ هَداءَ
يا مَن سلكتَ الدربَ دونَ تردّدٍ
وأقمتَ في صبرِ الترقّبِ دَاءَ

يا تاجَ عزٍّ مُشرِفًا في موكبٍ
قد جاءَ يَحملُ للورى الأضواءَ
يا قافلةَ الأيامِ في أنسِ الهوى
تمضينَ في الأملِ الذي قد شاءَ

يا فتحَ روحٍ للممالكِ كلِّها
وتلألؤَ النَّجمِ الذي أعلاءَ
يا قبسَ سرٍّ من لَدُنْ لا منتهى
يَهدي الفؤادَ ويَغسلُ الأخطاءَ

يا يَرقَةَ الحلمِ التي قد أزهرت
فغدَت فراشةَ مُشرِقَ الأنواءَ
يا فارسًا بالقلبِ مُتوَّجَ رفعةٍ
قد نالَ من حُصونِه الأسماءَ

يا يومَ ميلادِ العهودِ جديدةً
قد زَيَّنَ الأفلاكَ والأرجاءَ
يا صوتَ حِكمَةِ من حوارٍ صادقٍ
أحيا القلوبَ وطهَّرَ الأهواءَ

 

لذاذةُ الاستقلالِ

حوارُنا الحرُّ ارتقى بالأجيالِ
وَتَنوّعُ الأَصواتِ أَحيا الآمالِ
حِكَمُ الدبلوماسياتِ في رِفقِ الحِجى
تَسري فتُبقي النَّفسَ في الإِجلالِ

والفِكرُ يَفرُزُ ما يَضرُّ عن الهدى
فيَصونُ روحَ الخيرِ عن الإِهمالِ
تَقطيرُ وُدٍّ صافِيَاتٍ في المدى
يَسقي القلوبَ بأَوفَرِ الأَمثالِ

وحِفاظُنا للمسْتَوى في بُعدِنا
يُبقي المعاني في صفاءِ سِجالِ
ولُطفُ قولِ الحقِّ أَبلغُ مَنهجٍ
وزُهدُ عالِمِنا أَسَى الأَهوالِ

هجرُ التعلّقِ بالمَحالِ فضيلةٌ
والعزفُ عن أحلامِ كلِّ خَيالِ
وزُهدُ من طابَت حياتُه حِكمةٌ
والصّبرُ عند صرامةِ الأَمثالِ

سَورٌ أَخيرٌ ضدَّ وَهمٍ قاتمٍ
ولسانُ حُرٍّ في نداءِ رجالِ
وتحررٌ من غَيمِ فِكرٍ عابِرٍ
وفَكُّ سِرٍّ من غموضِ حِبالِ

لا تُفوّضُ الأَمرَ إلا لِيدِكَ
فعزيمةٌ حُرّةُ المَيلِ العالِ
وتَصفيةُ العِلمِ الصّريحِ تَجَلّةٌ
واقتلاعُ جُذورِ وَهمٍ بالي

تاجٌ خَفيٌّ فوقَ رأسِك أُودِعَتْ
فيه المهابةُ والمُنى والأَمالِ
ووفاءُكَ الطُّهرَ الطريقَ مُقدّسٌ
وتَحديدُ نَهجِكَ فوقَ كلِّ جدالِ

إلى مَواطنِكَ التي بَنيتَها
تمضي برُوحِ الزّاهدِ المثّالِ
فتَرى النهايةَ في ارتقاءِ لسانِكَ
وتَفوزُ في التحريرِ من أَغلالِ

في الاغترابِ طَموحُ روحٍ راقَها
أَن تَحكمَ الأَهواءَ بالميزالِ
ونقاءُ سَعيكَ لا يَميلُ لرِقّةٍ
في الحقِّ، أو يَركنْ إلى المِذلالِ

والحُرّ نَغمتُه انسجامُ حَقيقةٍ
وزُهده في الزَّيفِ والأَمثالِ
وشهادةُ الصّدقِ الثّمينِ وسامُهُ
وانفصاله عن كلِّ سوءِ مَقالِ

في الخلوةِ الكُبرى القرارُ حكيمُهُ
والسّيرُ حُرًّا في مروجِ جِبالِ
والنفسُ تنمو في رحابِ فضائها
فتَذوقُ شهدَ النصرِ في الكأسِ الغوالي

تتحدّى الأَمواتَ من أَفكارِهم
وتَرقّةُ الأَخلاقِ طيبُ خِلالِ
وتُري الوجودَ بأنَّكَ المُتَفوّقُ
في كلِّ جهدٍ فَوقَ حدِّ نِضالِ

طبيبُ روحِكَ والفنونُ وِسامتُك
وبصيرةٌ وضّاءةُ الأَمثالِ
وتميّزٌ عمّا يَميلُ لِباطلٍ
وتَذوّقٌ للفِكرِ في الأَفيالِ

سُلالةُ القيمِ التي أَرسَيتَها
تَبني المَهابةَ فوقَ كلِّ جِبالِ
وتُحررُ القلبَ الجَريحَ من المَخاوفِ
حتى يَرى فَرحًا على الأَطلالِ

حوارُ روحِكَ في سَكونِ صفائها
وتحررٌ من قيدِ كلِّ حِبالِ
ووقارُ ذاتِكَ في مَدى وجودِها
وتَخفيفُ أحزانٍ بكلِّ مجالِ

ولذاذةُ الاستقلالِ في أحضانِه
وتمتّعُ الحريّةِ الغَوالِ
وتَذوّقُ الانسجامِ مُؤنِسٌ
واكتشافُ فجرِ الحقِّ في الآمالِ

 

الأحد، 19 أكتوبر 2025

ميلادُ عدلٍ

فجرٌ تجلّى من دُجى قد تلاشى
وغُفرانُ ربٍّ عمَّ قلبَ البريئِ
نورُ الهُدى في غابةِ الصمتِ فاضى
وحُبٌّ صريحٌ زانَ سترَ الوضوحِ

بُناةُ صَرحٍ للحقيقةِ أبدعوا
وَسَنًا إلهيًّا جَمالًا يُضاعِفْ
ميلادُ قُدسٍ في القلوبِ تجلّتْ
طهراً يُتمُّ النورَ حتّى يُصافِفْ

أطيافُ رِفقٍ في الفضاءِ مُحلّقٌ
وأُناسُ خيرٍ جدّدوا سِحرَ ذَهبْ
قولٌ كريمٌ بالهوى يتمايلُ
وصُنّاعُ سلمٍ يعزفونَ الطربْ

قد هانَ عَدلٌ في سكينةِ رَوعَةٍ
ووجوهُ حقٍّ قد أبانتْ جِلالا
رُسلُ أخلاقٍ تلثّمَ نورُها
فإذا الظلامُ يَذوبُ فيها زُلالا

ملَكٌ يَميلُ الستْرَ عن أسرارهِ
ويَمُدّ للبرِّ الأمينِ حَنانا
والصدقُ بَدرٌ في الليالي أشرقتْ
أنغامُ قلبٍ زانَها الإيمانـا

هَطْلُ العطايا في السُبُلْ منسابةٌ
وبُنيانُ عَكسٍ طاهرٍ في جَلالِ
قُضاةُ حقٍّ في المعارجِ ناطقوا
فطُمِسَتْ هَواتٌ بالعلوّ كمالِ

أركانُ مَعبدِهم رواسٍ شامخٌ
وعَفوُ مَن غفرَ الذنوبَ نِداءُ
ولِقاءُ رِفقٍ في المدى متجدّدٌ
ومَقامُ فضلٍ في القلوبِ ضياءُ

حِكمُ الأوائلِ من رُكامٍ أطلّتْ
وصُنّاعُ صبحٍ نسجوا الأُمنياتِ
هُتافُ فَجرٍ في المدى قد تعالتْ
وزُرّاعُ فرحٍ في الدُجى باكياتِ

إيثارُ عَونٍ من كريمٍ مُفيضٍ
وحكايةُ الطُهرِ من يدِ الجَوادِ
سَكينةُ الرحماتِ في قلبٍ نَقِيٍّ
وصُورةُ عَدلٍ في عطا مُمتدَادِ

قوانينُ طُهرٍ في العقولِ مُضيئةٌ
والظُلمةُ انقشعتْ كغَيمٍ سحيقِ
وجَمالُ سِلمٍ في الأنامِ تجسّدَ
وروحٌ أضاءتْ في تمامِ رقيقِ

قد قُتِلَ الجهلُ البطيءُ تهاوياً
وتجلّتِ الساحاتُ بالحقِّ عُظمى
وإذا البصيرةُ في العيونِ تلألأتْ
انفكَّ لعنٌ كانَ قيداً مُظلما

مَجدُ العدالةِ قد بدا في مَطلعٍ
وصُنّاعُ لُطفٍ بالنهوضِ أقاموا
إعجابُ روحٍ بفنّهم قد أشرقتْ
وكمالُ طُهرٍ بالبهاءِ تسامى

جَمعُ المعزّينَ الكرامِ تفرّقوا
وبُنيانُ عَفوٍ في المدى قد بَدا
أنشودةُ صُلحٍ في القلوبِ تردّدتْ
وسُدَّتْ هوّةُ خُسرَنا أبَدا

جزرُ الصفا من بحرِ صدقٍ مُباركٍ
ومقامُ حمدٍ في الديارِ يَقومُ
نُورُ التجلي في العيونِ مُضيّءٌ
ونهايةٌ عذبةٌ بوصالٍ تدومُ

تَمامُ نهجٍ من ذَهَبٍ في سُبُلٍ
وعهودُ بركةٍ للعادلينَ مُقامُ
ذُروةُ روحٍ بالعطاءِ مُحلّقٌ
وميلادُ عدلٍ في البرايا سَلامُ

 

سكينةُ الحكمةِ

طيوفُ وقتٍ عابراتٌ في الدُّجى
رَسَمَتْ خطى الوعدِ السريعِ الممنَحِ
ميلادُ صفوٍ لا يُرى في صورةٍ
لكنّهُ يَسري برفقِ الأرْوَحِ

هياكلُ اللقيا قصارٌ عمرُها
لكنَّها تُهدي نفوسًا بالقدَحِ
قد شاءها حظٌّ جميلٌ خالصٌ
وتناغمٌ عذبٌ كحُلمٍ مُفصَحِ

نسّاجُ أسرارِ الغيوبِ حكايةٌ
والروحُ تجمعُ ما تفرّقَ في السُّبَحِ
نجمٌ يُشيرُ إلى المواعيدِ التي
قُدّرتْ فغدتْ يقينًا أوضحِ

جزرُ اللحاظِ تبوحُ بالسرِّ الخفي
والفجرُ يدعو للقبولِ الأفلحِ
كيمياءُ صُدَفٍ بهيّةِ رونقٍ
تُنسيكَ أنَّ العيشَ مرٌّ مُوحِشِ

شوقٌ صريحٌ يتجدّدُ كلما
مالَ الزمانُ إلى الفناءِ المبرَحِ
معمارُ وقتٍ قاسَ بالميزانِ ما
يبقى وما يذوي كسَربٍ مفلَحِ

انتماءُ روحٍ في خفاءٍ ساطعٍ
وحبّ عابرِ دربِها لم يُفضَحِ
ذُرىً وجيزةُ نُورها لمّاعةٌ
تُتمُّ دون غدٍ، وتُطفئُ ما جَحِ

مغفرةُ الفاني وقَبولُ زوالِه
والجرحُ يزهو بالرضا المتفصحِ
قانونُ كونٍ حاكمٌ لمصائرٍ
يرعى توازنَ ممكنٍ لم يُطرَحِ

عهدٌ مع الأبدِ السعيدِ مُبرمٌ
حرٌّ، فلا قيدٌ يظلُّ بمسرَحِ
سكينةُ الحكمةِ نبعٌ طاهرٌ
يهدي إلى التخلّي الغنيِّ الأرجَحِ

مَجمعُ لحظاتٍ تجلّى صافيًا
فتبدّدَ الغيمُ الثقيلُ المُلَبَّحِ
واكتمَلَ الحُسنُ الجليلُ ضياؤهُ
والحُبُّ صدقًا لاحَ في وجهِ الصبحِ

طيوفٌ عابرةٌ ترسم خطَّها
اكتمالٌ خاطفٌ للوعدِ الممنوحْ
ميلادُ صفوٍ لا يتجسّدُ وجهُه
وداعٌ رقيقٌ للقلوبِ الخاضعةِ الروحْ

هياكلُ لحظةٍ في اللقاءِ قصارُ
وصُدفٌ شاءتْها يدُ الأقدارِ
وتناغمٌ عذبٌ يكشفهُ الزمانُ
وغيابُ مختارٍ من بينَ الأحرارِ

نسّاجو السرائرِ يحيكون خيطَهُم
واتحادُ أرواحٍ ضائعةٍ نادرْ
إشراقةُ نارٍ في الصفاءِ طاهرةٌ
وارتواءُ شوقٍ من رجاءٍ عارٍ

نجومٌ رفيقةٌ ترسمُ الساعةَ
وتُتمُّ ما كانَ محتومًا أن يكونْ
حضنٌ حنونٌ في مأوى الروحِ
وتخلٍ حكيمٌ عمّا لا يُستطاعُ

جزرُ اللحظاتِ تبدو كالأطيافِ
وكمالُ ما شاءتهُ العنايةُ خفيّا
فجرٌ عابرٌ ينادي بالخطى
وقبولُ ما قد صارَ يقينًا جليّا

كيمياءُ الصُّدفِ الطاهرةِ
وتنسيقُ أقدارِ السماءْ
ذُروةُ التلاقي العذبِ
ورضا بخطّةِ الإلهِ العلياءْ

أُلفَةٌ صادقةٌ تتلاقى
واتفاقٌ كاملٌ في الفناءْ
شوقٌ صريحٌ يتجدّدُ دومًا
ووداعٌ هادئٌ للزمانِ الفناءْ

معماريّو الزمنِ يقيسونَ
مدى الروابطِ بالعدلِ والميزانْ
صعودٌ رقيقٌ يمنحُ الطمأنينةَ
وثقةُ الأجدادِ في كلِّ آنْ

انتماءاتٌ تنكشفُ واضحةً
صادقةً ما دامت اللحظةْ
وهياكلُ خفيةٌ تحتَ ستورها
وحبٌّ عابرٌ يَسكنُ الخطوةْ

ذُرىً وجيزةٌ تضيءُ الدربَ
تُتمُّ بلا غدٍ منتظرْ
لهفةٌ طاهرةٌ تبلغُ ذُروتها
وتُختَتمُ فوقَ المسيرِ المُعَبَّرْ

مغفرةُ الفناءِ وقَبولُ زواله
والرضا بما لا يَدومُ من الأثرْ
علوٌّ لطيفٌ في رجاءِ الروحِ
وحبٌّ حكيمٌ للجَرحِ إذا انكَسرْ

قوانينُ القدمِ تحكمُ اللحظةَ
وضبطٌ دقيقٌ للممكنِ الميسورْ
واستقبالُ ما لا يُقيمُ طويلًا
وسَعةُ الخفيِّ في الحضورْ

عهودٌ مع الأبدِ تُبرمُ
وإنجازٌ لا يُمسِكُ باليدِ
مستقبلاتٌ حرةٌ من جسدٍ
وتعلّمُ أن نُباركَ بالوجدِ

سكينةُ الحكمةِ تهبُ قلوبًا
وبُنى التخلّي فنٌّ عميقْ
قبولُ هذا الغنى السامي
وحبٌّ متحرّرٌ من كلِّ عِتقٍ

مَجمعُ اللحظاتِ يشرقُ ناصعًا
واكتمالُ الجمالِ في الضياءْ
فجرُ الذهبِ في عقلٍ مُدركٍ
وتمامُ الحقيقةِ في البهاءْ

 

صُنّاعُ حقٍّ

هوّتْ بنا الأيامُ حتى أوجَعَتْ 
وجراحُها في الروحِ مثلُ سِهامِ
لكنّنا بعدَ انكسارٍ ننهضُ 
كالبرقِ يُشعلُ في الظلامِ ظَلامِ

كم سقطةٍ علّمتْ فؤادَ مُجرّبٍ 
أن الطريقَ إلى المعالي سِلمُ
فإذا غدا ليلُ الحياةِ مُظلِماً 
فالفجرُ في أعماقِنا يتكلَّمُ

نمضي بشوقٍ لا يلينُ عزيمةً 
ونقاوَةُ الإصرارِ فينا شُعلةْ
ونرى العوائقَ في دروبِ صعودِنا 
جسراً نُقيمُ عليهِ ألفَ بطولةْ

إنْ زعزعتنا الريحُ عدنا شامخينْ 
كالطودِ لا تُثنيهِ حربُ رياحِ
وإذا تهاوَتْ في الطريقِ خطانا 
عدنا وصُنعُ النصرِ في الأرواحِ

كم من فشلْ قد كانَ بابَ صعودِنا 
وممرَّ نورٍ للعلا والمجدِ
وكم انتصارٍ زادَنا في رحلتِه 
أنْ نستزيدَ الصبرَ بعدَ الجَهدِ

يا مَن يظنُّ الهَولَ يُطفئُ جذوةً 
في قلبِ حرٍّ شامخٍ مقدامِ
إنّا إذا خانَ الطريقُ وعرْهُ 
صعدَتْ خطانا فوقَ كلّ حُطامِ

نهوضُنا عهدٌ وثيقٌ دائمٌ 
لا ينقضُ الأيامَ مهما طالتْ
ونشيدُنا حُبٌّ يُعلِّمُ أمّةً 
أن العطاءَ رسالةٌ متواصِلَتْ

سفراؤُنا في الصدقِ ألسنةٌ لها 
وقعُ الحقيقةِ كالشِهابِ الطائرِ
ومواقفٌ عَدلٍ سنيّةُ وجهِها  
تُبقي البريّةَ باليقينِ الزاهرِ

إنّا إذا عادتْ فضائلُ أُمّةٍ  
رفعتْ لواءَ الحقِّ بعدَ أفولِ
وإذا جَنَتْ يدُ باطلٍ ميدانَها  
قمنا فجرًا في طريقِ سبيلِ

هوّاتُ دربٍ حفَرَتْها المِحنْ 
وتُعلِّمُ الساقطَ كيفَ اعتدلْ
بُرهانُ صبرٍ في تقاطُعِنا 
لننهضَ من بعدِ جُرحٍ ثَقَلْ

حوادثُ العمرِ لنا دَرسُها 
نقبلُ أوّلَ سقْطةٍ في المَطَلْ
فنوقِدُ فينا جذوةً صامدةً 
ونَصعدُ للنورِ بعدَ الأُفُلْ

إذا ما أظلَّتنا عتماتُها 
سعَينا لفجرٍ يلوحُ أملْ
فأُسُسُ عزّتِنا شامخَةٌ 
نخلَعُ ثوبَ الوَهنِ المُثقَلْ

شجاعةُ نفسٍ على موقفٍ 
تُواجِهُ ضعفاً ولا تَخجَلْ
وتبني جسورَ العطاءِ لنا 
فنكبرُ في الروحِ جيلاً فَصَلْ

ساحاتُ نِزالٍ مقدَّسةٌ 
نميلُ ونرجعُ مثلَ البَطَلْ
فنَلمعُ شوقاً ككوكبِنا 
ونُشعلُ في الدربِ نورَ الأملْ

وإن كبُرَتْ قِممُ الممكناتْ 
صعدنا إليها بغيرِ كسلْ
فنُبصرُ ما كانَ مستَتراً 
ونَغزو الأعالي بلا خَجَلْ

رسالةُ بعثٍ لنا تتلى 
نُعيدُ الجرأةَ بعدَ وَجَلْ
ويُشرقُ أملٌ على جسَدٍ 
جديدٍ يُطلّ كفجرٍ أُوَلْ

ترياقُ دحرِ الهزيمةِ أنْ 
نقبلَ عثرةً ونبتَهِلْ
فنفتحُ أبوابَ فتوحةٍ 
ونمشي بخُطوٍ سَويٍّ مُعتدَلْ

وعَهدٌ على النهوضِ لنا 
إذا ما تبدّدَ ليلٌ ثَقَلْ
تحقَّقَ وَعدٌ بصَعودِ هوىً 
إلى قمّةِ الحبِّ حيثُ الأملْ

ذُرى النصرِ تأتي مكلَّلةً 
بإصرارِ قلبٍ قويٍّ احتَمَلْ
فنبدأُ دوماً من الأوّلِ 
ونمضي إلى الغدِ رغمَ الوجلْ

رُسُلُ الحقيقةِ ألسِنَةٌ 
صريحةُ نُطقٍ بلا عَزَلْ
فنَسجُ أقوالِنا صافيةً 
ولا نَميلُ إلى المُختَلْ

سفراءُ عَدلٍ ومكرمةٍ 
وجُندُ صِدقٍ بغيرِ حِيَلْ
قوامُهمُ شاهدٌ ثابتٌ 
وحبٌّ نقيٌّ كماءِ الغَلَلْ

معماريّو الصراحةِ ما فيه 
بنَوا غيرَ صرحٍ بهِ اكتَملْ
فكانوا رُسلَ العدالةِ في 
صدىً يتردّدُ عبرَ الجبَلْ

أواصِرُنا بالحقِّ شاهدةٌ 
نُجاهرُ بالسرِّ حيثُ انكشَفْ
وضوحُ ضياءٍ بصفوِ سَنا 
فلا نَكتمُ النورَ أو نختَفْ

فما عادَ ماضٍ بغيرِ صدىً 
ففضائلُ الأمسِ عادتْ تُجَلْ
وصُنّاعُ حقٍّ إذا عمِلوا 
تلألأَ في دربِهمْ ما كمُلْ

 

 نُقاةُ السرائرِ

ملاحمُ نصرٍ تجلّت عُلا
وعزمُ النفوسِ يُضيءُ المُنى
عمائرُ ثقةٍ تُشيَّدُ فيـا
وأفراحُ أملٍ تـزيـنُ الذرى

صفاءُ القلوبِ طهورُ الرجا
وفنٌّ أصيلٌ يجلّي الغِنا
صنّاعُ حروفٍ نُقاةُ الكَـرى
يُبدّونَ سرَّ المعاني جَـلا

ويَنسجونَ وَصلًا يُحيّي الدُنا
ويَعلّمونَ فنونَ الكَشَفا
تجلّى الجوهرُ، لاحَ الضيا
وقامَ الخلودُ يُقيمُ البَقا

ونورُ الحروفِ سناهُ سمتـا
وصوتُ الحقيقةِ عادَ صَفا
رسولُ الكلامِ أمينُ النَّـدا
يُجاهرُ صدقًا، يزيـلُ العَـمى

عظيمُ الرسالةِ فينا اعتلا
ونجمُ الحقيقةِ يُهدي السَّـنا
بُناةُ البيـانِ عقولُ الضيا
يكشفونَ المكنونَ دونَ رِدا

ويزرعونَ الرجاءَ سنا
ويعلّمونَ فنونَ الكَشَفا
فرسانُ عزمٍ قلوبُ الوفا
يُفيضونَ حُبًّا، ويُحيونَ ما

سَخاءُ العطاءِ سرورُ الهُنا
ونورُ الحقيقةِ أضحى البقا
جماعاتُ صفوٍ رجالُ النُّبـا
وأبراجُ نورٍ تُضيءُ الفضا

يُفيضونَ وُدًّا، حنينًا، صفا
ويُزهِرُ حُبٌّ نقاءً سَـنا
شرائعُ صدقٍ تُعيدُ المدى
وحُسنُ الحقيقةِ يُحيي العُلا

وصنّاعُ نصرٍ بَناةُ الرجا
لهيبُ يقينٍ، ونورُ الهُدى
عمائرُ فنٍّ أصيلٍ بَدا
وصوتُ الحقيقةِ يُحيي الدُّنا

صنّاعُ القولِ نُقاةُ الحِمى
يكشفونَ السِّرَّ، يُجلوـنَ ما
بصدقِ العطاءِ صفاءً نما
وعِلمُ الإبانةِ أضحى سَـنا

جماعاتُ صدقٍ نقيِّ السَّنا
توافقُ روحٍ يفيضُ الهُدى
ملاحمُ نصرٍ تلوحُ العُلا
وعَزمُ نفوسٍ سمتْ مُبتدى

عمائرُ ثِقةٍ تُشيَّدُ فينا
وصرحُ رجاءٍ يُضيءُ المُنى
حرارةُ آمالِ قلبٍ طهورٍ
وفنٌّ أصيلٌ يجلّي الغِنا

صنّاعُ حرفٍ كرامُ النَّدى
يكشفون السِّرَّ في مُبتغا
أناملُ وَصلٍ ترومُ العطاءَ
وعِلمُ إبانةِ سرِّ الخفا

صفاءُ جوهرٍ يُضيءُ الحقيقة
وأفقُ خُلودٍ يُقيمُ البَقا
لهيبُ الحروفِ نقاءٌ وصدقٌ
وصوتُ الوجودِ تَجلّى سَنا

مجالسُ عدلٍ، ضميرٌ وفيٌّ
وحُسنُ تمامٍ على ما ارتجا
مواقفُ صدقٍ تُثيرُ الحميَّة
وصورةُ روحٍ بها المُبتغى

رُسلُ البيانِ أُمناءُ الكلام
يُجاهرونَ بلا مُلتَحى
عِظَمُ رسالتِهم في اتّساعٍ
ونجمُ صفاءٍ هدى وارتقى

معماريّو الحُجَّةِ الواضحاتِ
يكشفونَ المكنونَ جهرًا رَجا
ويَزرعونَ الرجاءَ طهورًا
ويُعلّمونَ فنونَ الكَشَفا

فرسانُ عزمٍ، كِرامُ القلوبِ
بصدقِ العطاءِ، بنورِ الصَّفا
سَعةُ بذلٍ، سرورٌ أصيلٌ
وعزمُ سعادةٍ لا اختفى

جماعاتُ صفوٍ، رجالُ النُّبلْ
وأبراجُ نورٍ، بريقُ الأملْ
يَفيضونَ وُدًّا، وفاءً عظيمًا
ويُزهِرُ حبٌّ طهورُ العملْ

ملاحمُ صدقٍ تجلّت بُذورًا
وَكشفُ السَّرائرِ صارَ العَملْ
عمائرُ وعيٍ، وضبطُ الحكيمِ
وفَتحُ العطاءِ، يَجلّي الأَملْ

شرائعُ صدقٍ تعودُ إلينا
وحقُّ الحقيقةِ يُحيي الدُّنا
صنّاعُ نصرٍ، بَناةُ العُلا
لهيبُ يقينٍ، ونورُ الهُدى

مجالسُ عدلٍ، ضميرٌ وَفيٌّ
وحُسنُ تمامٍ على ما ارتجا
مواقفُ صدقٍ تُثيرُ الحميَّة
وصورةُ روحٍ بها المُبتغى

بُناةُ البيانِ، نُجباءُ الكلام
يُصاغونَ حِكمًا، بغيرِ رِدا
بقاءُ الأصالةِ حارسُ فنٍّ
وصدقُ المعاني بديعُ المُنى

صُنّاعُ القولِ نُقاةُ السرائرِ
يكشفونَ الوُدَّ في ما جَلا
بصدقِ أداءٍ، بضياءِ العطاءِ
وتُهدي القلوبَ صفاءً هُـدى

 

رسمِ الزمانِ

اقبَلْ طريقَكَ في الحياةِ فمُقتدَرْ
وابنِ الأمانَ بصدقِ إيمانٍ أزَرْ
حرِّرْ رؤاكَ من القيودِ ترفَّعًا
وانجُ المرائي إنَّهُ وَهْمٌ غَرَرْ

عِشْ في فنونِكَ عاشقًا ومُحرَّرًا
تسقي المعاني من ينابيعِ السَّحَرْ
قِسْ نفسَكَ الحرَّ الكريمَ بصفوةٍ
لا بالجموعِ فتلكَ أوهامُ البشَرْ

واجعلْ لروحِكَ في الصفاءِ عبادةً
تُهدي الضميرَ وتستقيمُ على الأثَرْ
وازرعْ يقينَكَ في الوجودِ حقيقةً
فالنورُ يزهرُ في قلوبٍ قد صَبَرْ

هذي الحياةُ بناؤُها في طُهرِنا
والصبرُ بابُ المجدِ، والعزمُ الظَّفَرْ
حرِّرْ قيودَ الخوفِ، حلِّقْ صادقًا
فالحُرُّ يعرفُ ما الحقيقةُ وما الخَطَرْ

واعلُ بسُلَّمِ حكمةٍ أزليةٍ
تُهدي العقولَ وتستضيءُ بها البصَرْ
هذي وصايا الروحِ في أشعارِها
فاسلكْ سبيلَ النورِ وامضِ إلى الظَّفَرْ

واجعلْ هَوى قلبِكَ صرحًا شامخًا
يبني المعاني بالوفاءِ وبالظُّفُرْ
عِشْ فريدًا، لا تُقارنْ بالورى
فالفردُ مِفتاحُ التفرُّدِ والظَّفَرْ

واتركْ قيودَ الناسِ خلفَكَ صاغرًا
فالنفسُ تُعلو حينَ تُكرمُها الفِكَرْ
وابنِ بالصدقِ القلاعَ فإنّها
تبقى ويذوي كلُّ مَن عاشَ الغَرَرْ

واصنعْ لنفسِكَ في الرجاءِ مفازةً
يزهو بها قلبُ المنيبِ إذا اعتبَرْ
واحمِلْ مصابيحَ اليقينِ فإنَّها
نورُ الدروبِ إذا تكاثَفَها الكدَرْ

هذي طُرُقُ العارفينَ إلى العُلا
والصادقونَ على مكارِمِها صَبَرْ
فامضِ بعزمِكَ واثقًا في خُطوةٍ
واعلُ بسُلَّمِ مجدِكَ العالي الأثَرْ

اقبَلْ سبيلَكَ في الوجودِ
وابنِ للهُدى عمودِ
واسعَ بالإيمانِ قلبًا
فهو مفتاحُ الصمودِ

حرِّرْ بصيرتَكَ السنيَّة
وانجُ من مرآةِ أنيَّة
وامضِ في فنٍّ رفيعٍ
صادقِ العِلمِ، قُدسيَّة

دَعْ قياسَكَ بالآخرينَ
عِشْ فريدًا بين العالَمين
وابنِ بالعقلِ قصورًا
بالصفاءِ وباليقين

جمِّعِ السِّلمَ بدقَّة
واكتَمِلْ فيكَ بحقيقة
وامضِ نحوَ الكَمَالِ
صادقًا بالناموسِ طُرْقة

خُذْ قرابةً مع الفريدِ
وأثبِتِ القَدرَ الجديدِ
وابنِ بالصدقِ بُنيانًا
واسعَدِ القلبَ السعيدِ

صُنعوا دروبَهم بسلامٍ
قَبِلوا اختلافَ الأنامِ
شعلوا بالنورِ عزيمةً
حاضِرًا صادقَ الوِئامِ

واستراحوا باليقينِ
واكتملْ فيكَ كينونِي
وابنِ بالعُلوِّ رُؤًى
في مَدى الحُسنِ الظاهرين

كشفتْ حكمتُهم القديمة
صِدقُ روحٍ مستقيمة
صُنّاعُ حقٍّ ينادونَ
بحماسةٍ عظيمة

واجتمعوا أحرارَ طُهرٍ
واتحدوا مع قلبِ بشرٍ
شيدوا العدلَ توازنًا
واسعَدوا بالخيرِ والذِّكرِ

كسَروا قيودَ الظلامِ
أعلنوا أصواتَ السلامِ
شعلوا بالنورِ دروبًا
صِدقَ عيشٍ للأنامِ

بلغوا ذُرى الاطمئنانِ
اكتملوا بالفضلِ سُلطانِ
شيدوا الأملَ في علياءِ
واسعَوا بالوُسعِ إمكانِ

نسَجوا سَكينتَهم بسلامٍ
قَبِلوا فريدَهم بانسجامٍ
حرروا الشوقَ للكمالِ
بروحِ سرٍّ ووَئامٍ

جمعوا جوهرَ المعاني
وأتمّوا بالحقِّ كياني
شيدوا أملَ الأرواحِ
في رُؤى رسمِ الزمانِ

واجتثّوا خوفَ القلوبِ
حرروا عَينَ الدروبِ
أشعلوا فرحًا مضيئًا
صِدقَ فنٍّ في الحُبوبِ

واستراحوا بالحِكمةِ الغنَّاء
قبِلوا طريقًا بالضياء
شيدوا غِنى الرُّؤى في الأرواحِ
واسعَوا بالإيمانِ في العَلياء

 

 أوجَ نعمةٍ

سما السُّمو من نارِ بلوى عسيرةٍ 
فعَلتْ به الأرواحُ نحو العلاءِ
وصاغَ الصبورُ الدربَ صرحًا مهيبَةً 
فأكملَ روحَ المرءِ صرحَ البناءِ

وألقى الحكيمُ الصبرَ ضدَّ عواصفٍ 
فأنبتَ في قلبِ الفؤادِ الرجاءَ
دواءٌ من السِّلمِ المصفّى يفيضُه 
كتابُ هُدى يمحو مآسي الشقاءِ

تسامى إلى ميزانِ نفسٍ مطهّرةٍ 
فكان دواءُ الغضبِ الصفوَ ماءَ
وألبسَه حِلمًا رقيقًا كدرعِه 
ليُدرِكَ إيقاعَ الزمانِ القساةِ

وعاينَ في قممِ التأمّلِ رفعةً 
تسيرُ به الأرواحُ نحو السَّناءِ
فصبرٌ كأوتارِ الغناءِ رقيقُه 
يلينُ كما اللحنُ العجيبُ الرخاءَ

وكم مجلسٍ صافٍ تهادَتْ خواطرٌ 
به كزلالِ الماءِ يغمرُ فياءَ
يُفيضُ سلامًا صادقًا في مآلهِ 
ويبني على الأرواحِ دارَ الصفاءَ

ويشرقُ نهجُ العدلِ في قلبِ مؤمنٍ 
كسِرٍّ نقيٍّ قد تجلّى ضياءَ
فذروةُ أملٍ نادرةٍ في شروقِها  
تعانقُ فجرًا ناصعًا ببهاءَ

تسامى إلى أفقِ التوازنِ صاعدًا 
يبدِّدُ ليلَ الغضبِ والظلماءِ
دروعُ الحكيمِ الحرِّ صارتْ لطيفَةً 
تُصانُ بها الأرواحُ من بَلْوَاءِ

وصعدتْ أنفاسُ التأمّلِ عذبةً 
كأطيارِ شوقٍ حلَّقتْ في الفضاءِ
فصارتْ مقاماتُ السكونِ منابرًا 
تؤدي لسرّ النورِ بين الضياءِ

مجالسُ فكرٍ قد تجلّتْ صريحةً 
كأنّ بها أرواحَ صفوِ السّماءِ
فأمطرَ عقلٌ مستكينٌ طمأنينةً 
وزانَ لهُ فيضًا عميقَ ولاءَ

ولمّا تجلّى سلمُ روحٍ نقيةٍ 
غدا لذوي الأحزانِ دارَ شفاءِ
فأشرقَ ميلادُ السكونِ كأنّهُ 
جَنابُ ربيعٍ طاهرِ الأرجاءِ

نهوجُ اعتدالٍ أزهرتْ في رياضِها 
فصارتْ سبيلًا للهدى والصفاءِ
وعرشُ رجاءٍ نادرٍ في سناهُ قدْ 
سما نحو أفلاكٍ بعُدْنَ خفاءَ

فأضحى التوازنُ في القلوبِ بشارةً 
كأنّ به الأرواحَ ضوءَ سماءِ
وأضحى رجوعُ النورِ من سرِّ روحهِ 
خلاصًا من الأوجاعِ بعدَ عناءَ

توجَّه للقلبِ السكونُ برحمةٍ 
فأشرقَ مثلَ الفجرِ بعدَ مساءِ
وصارتْ جسورُ الحِلمِ أركانَ حكمةٍ 
تُشيَّدُ في الأرواحِ ضدَّ الفناءِ

فما العزلةُ الكبرى سوى سرِّ وُدعةٍ 
تبوحُ بسرٍّ خافقٍ في الخفاءِ
إذا ما تجلّى الصمتُ صارَ بلاغةً 
وأضحى صدًى عذبًا كصوتِ دعاءِ

صفاءُ هواءٍ في رياضِ تأمّلٍ 
كأنّ به الأرواحَ تَسمو سَناءَ
وسلمٌ من الأنفاسِ ينسابُ هادئًا 
كجدولِ ماءٍ في رُبا الخضراءِ

فما أبدعَ الأرواحَ إذْ هي صاعدةٌ 
تعانقُ في الآفاقِ نجمَ السماءِ
وما أجملَ الأصداءَ في عمقِ سكينةٍ 
كعودٍ شجيٍّ يبعثُ الأنسَ ناءَ

مراسي رجاحٍ قد ثبَتْ في عواصفٍ 
تحيطُ كبحرٍ هائجٍ بهواءِ
وعهدُ وفاءٍ مع حكيمٍ مجرَّبٍ 
يُعلّمُ أنَّ الصبرَ زادُ البقاءِ

وجُزرُ القلوبِ الصافياتِ نعيمةٌ 
كأنّ بها الأرواحَ دارَ صفاءِ
وفيها شرابُ الطمأنينةِ ساكرًا 
كخمرِ هُدىً يروي ظمأَ العظماءِ

إيثارُ مَن بالفضلِ يفهمُ جوهرًا 
ويعلمُ أنّ السلمَ سرُّ العطاءِ
فصاغَ كيمياءَ السلامِ بصحوةٍ 
تعودُ بها الأرواحُ بعدَ شتاءِ

وأضحى فنونُ العمرِ مدرسةً هدىً 
تفيضُ دروبًا من رجاءٍ سواءَ
فجاءتْ بشاراتُ السكونِ كأنها 
ربيعُ قلوبٍ بعد طولِ عناءِ

تجرّدتِ الأرواحُ من كلِّ شهوةٍ 
فعانقتِ الأخلاقَ زهرَ الوفاءِ
وصارتْ جموعُ الفضلِ عقدًا منيرَةً 
تضيءُ لنا الدربَ الطويلَ العراءِ

فأعلى التجرّدُ في السموِّ منازلًا 
تسيرُ كما تسري النجومُ ذكاءَ
وفيها شموخُ الروحِ يسمو بحبِّها 
فتبني صروحًا من ضياءٍ نداءَ

تراكمتِ الأمجادُ نصرًا مهيبَةً 
على مهلٍ كالدرِّ بعد انحناءِ
فصارتْ بُنى السِّلمِ العظيمِ منائرًا 
تلوحُ كمصباحٍ يبدّدُ دَجاءَ

وما زالتِ الذكرى لطيفةَ وقعِها 
تُصوّرُ للأنفاسِ عهدَ صفاءِ
فتشرقُ في الآتي سنينٌ هنيئةٌ 
ويُغمرُ بالأفراحِ عمرٌ وفياءَ

سعتْ للهوى الأرواحُ نحوَ انسجامِها 
فأبدتْ دواءً من سكينةِ ماءِ
وزالَ هياجُ القلبِ إذْ هي وحّدتْ 
صداها على لحنٍ رقيقِ رجاءِ

فكان سلامُ الروحِ غايةَ مطلبٍ 
وغايةُ تأمّلِها صفوُ ناءَ
فتمَّ تمامُ الصفوِ فيها مقدَّسًا 
كأنّ به الأرواحَ دارَ هناءَ

مجالسُ أهلِ الفضلِ أضحتْ منابرًا 
تباركَ فيها العقلُ ضدَّ الجفاءِ
وأشجارُ حِلمٍ عمَّقتْ من جذورِها 
لتُخرجَ أثمارًا من الوعيِ ناءَ

فجاءتْ عصورُ الوُدِّ تُشرقُ نورَها 
كفجرٍ جديدٍ طافحٍ بالصفاءِ
وكانتْ محبةُ ربِّنا أوجَ نعمةٍ 
وغايةُ سلمٍ واهبٍ للعطاءِ

ربيعُ العمرِ

يا أيُّها الساعونَ نحوِ فضيلةٍ
إنَّ الصديقَ لخُلقِهِ يُستَشعرُ
ما نالَ مجدَ المرءِ إلا صُحبَةٌ
تُزكي النفوسَ، وبالوفاءِ تُؤزر

كم صاحبٍ في القولِ يُبدِي ودَّهُ
حتى إذا جدَّ الزمانُ تَنَكَّرُ
لا يُعرفُ الإخلاصُ في ميسورِهِ
بل في الشدائدِ معدنٌ يتطهَّرُ

فاختر لدرْبِكَ من إذا ضاقَ المدى
فتحَ الرجاءَ، وعن هواكَ يُبصِرُ
يرعاكَ في غيبٍ، ويسترُ عثْرَةً
ويزيدُ إن نَقصَ الزمانُ ويشكُرُ

فالمرءُ بالخلقِ الجميلِ مكانُهُ
لا باللسانِ، ولا بما يتكثَّرُ
ومن استقامَ على الوفاءِ فإنَّهُ
يبقى وإن جارَ الزمانُ ويُذكَرُ

هي قصةٌ تُروى بروحٍ صادقةٍ
فيها من الإحساسِ ما لا يُنكرُ
تُهدي إليكَ صفاءَ قلبٍ ناصحٍ
لم تُفسِدِ الأيامُ ما يتطهرُ

عن صحبةٍ تبقى على أعتابِها
معنى الحياةِ ومجدُها يتكررُ
فالصّدقُ فيها جسرُ كلِّ مودةٍ
يمضي ويُزهِرُ حينَ يُمحَصُ جوهرُ

ولعلَّ قارئَها يرى في طيِّها
ما فاتَ من عهدِ الصفاءِ فيذّكرُ
فإذا انقضت أبياتُها وتتابعتْ
شعرًا يفيضُ، وعِبرَةً تُستنثرُ

هي دعوةٌ للحبِّ، للعهدِ الذي
يبقى إذا خفتَ المنى وتبعثرُ
ولكلِّ قلبٍ صادقٍ في وُدِّهِ
نورٌ يُضيءُ، وإن تعاقبَ مُقفِرُ

فاصحب أخاً إن غبت عن عينيهِ راح
يدعو بصدقٍ ما يُخيب ويُؤزر
يُخفي جميلك إن ذكرتَ، ويستحي
أن يُظهر الإحسانَ وهو يُضمر

لا يعرف الإحسانَ من بسط الندى
ثم استزادَ على الرفيقِ يُجاهر
لكنّ من صدق الوفا في طبعِهِ
يبقى وإن جارَ الزمانُ ويصبر

هو في ودادك صادقٌ، لا ينثني
مهما تقاذفتِ الرياحُ وتزأر
فتراهُ في يوم الرخاءِ مؤازراً
ويزيدُ عند العُسر حتى يُشكر

إن الإخاءَ حقيقةٌ لا تُشترى
بل معدنٌ يبقى وإن يتغيّر
فالمالُ يذهبُ والمواقفُ تُرتجى
والمرءُ بالخلقِ الكريمِ يُقدّر

فاختر صديقاً إن رآك مكدَّراً
أخفى الأسى عنك ابتساماً يُبهر
يرنو إليك بعينِ من قد شاطَرَتْ
فرحَ النفوسِ، وهمَّها يتكسَّر

لا يُغريكَ بالعهدِ إن نال المنى
بل في اشتدادِ الدهرِ دوماً يُذكر
يمشي مع الأيامِ في خُلقِ التُّقى
لا يُرهبُ الإعسارَ إنْ يتقدَّر

يُؤْثِرْكَ المعروفَ دونَ تكلفٍ
كالغيثِ يهمي، لا يُعابُ ويُشكر
قد عاشَ يهوى الصفحَ عن ذي زلّةٍ
ويرى العطاءَ على المودّةِ يُثمر

فإذا التقَتْ في دربِه نُفوسُهُمُ
نشرَ السلامَ، كأنَّهُ يتبختر
تبقى المروءةُ للكرامِ وسامَهُمْ
والصدقُ تاجٌ في الجبينِ يُسطّر

يا صحبَ صدقٍ، في المودّةِ منزلٌ
يبقى وإن خَبَتِ المنى وتبعثرُ
فيكم نرى وجهَ الوفاءِ مُضيئَةً
تَزهو القلوبُ بهِ، ويُصفو المحضرُ

أنتم ربيعُ العمرِ إن جدَّ الأسى
وملاذُ روحٍ في الهمومِ تُكبَّرُ
تبقى المكارمُ ما بقيتَ كريمةً
والودُّ إن طابَ الأصلُ لا يتغيّرُ

فالناسُ ألوانٌ، ولكنَّ الذي
يبقى لوجهِ النبلِ دوماً يُذكَرُ
ما خابَ من جعلَ الصداقةَ دربَهُ
ومشى عليها خاشعاً يتبصّرُ

هيَ وردةٌ لا يذبلُ العِطرُ الذي
فيها، وإن مرَّ النسيمُ وأبحرُ
تبقى القصيدةُ نبضةً إنسانيّةً
تسمو على زيفِ الوعودِ وتزهرُ

 

مَقَامَ الصَّخْرِ

سَلِ الضِّيَاءَ الَّذِي فِي صَدْرِكَا  يَبْقَى وَيَزْدَانُ بِالْهُدَى وَالْفَضْلِ تِلْكَ مَسَاحَاتُ الْكَلَامِ مُؤَوَّلٌ  تَحْتَ الْحُرُوفِ ...

الأكثر رواجا