الأحد، 19 أكتوبر 2025

صُنّاعُ حقٍّ

هوّتْ بنا الأيامُ حتى أوجَعَتْ 
وجراحُها في الروحِ مثلُ سِهامِ
لكنّنا بعدَ انكسارٍ ننهضُ 
كالبرقِ يُشعلُ في الظلامِ ظَلامِ

كم سقطةٍ علّمتْ فؤادَ مُجرّبٍ 
أن الطريقَ إلى المعالي سِلمُ
فإذا غدا ليلُ الحياةِ مُظلِماً 
فالفجرُ في أعماقِنا يتكلَّمُ

نمضي بشوقٍ لا يلينُ عزيمةً 
ونقاوَةُ الإصرارِ فينا شُعلةْ
ونرى العوائقَ في دروبِ صعودِنا 
جسراً نُقيمُ عليهِ ألفَ بطولةْ

إنْ زعزعتنا الريحُ عدنا شامخينْ 
كالطودِ لا تُثنيهِ حربُ رياحِ
وإذا تهاوَتْ في الطريقِ خطانا 
عدنا وصُنعُ النصرِ في الأرواحِ

كم من فشلْ قد كانَ بابَ صعودِنا 
وممرَّ نورٍ للعلا والمجدِ
وكم انتصارٍ زادَنا في رحلتِه 
أنْ نستزيدَ الصبرَ بعدَ الجَهدِ

يا مَن يظنُّ الهَولَ يُطفئُ جذوةً 
في قلبِ حرٍّ شامخٍ مقدامِ
إنّا إذا خانَ الطريقُ وعرْهُ 
صعدَتْ خطانا فوقَ كلّ حُطامِ

نهوضُنا عهدٌ وثيقٌ دائمٌ 
لا ينقضُ الأيامَ مهما طالتْ
ونشيدُنا حُبٌّ يُعلِّمُ أمّةً 
أن العطاءَ رسالةٌ متواصِلَتْ

سفراؤُنا في الصدقِ ألسنةٌ لها 
وقعُ الحقيقةِ كالشِهابِ الطائرِ
ومواقفٌ عَدلٍ سنيّةُ وجهِها  
تُبقي البريّةَ باليقينِ الزاهرِ

إنّا إذا عادتْ فضائلُ أُمّةٍ  
رفعتْ لواءَ الحقِّ بعدَ أفولِ
وإذا جَنَتْ يدُ باطلٍ ميدانَها  
قمنا فجرًا في طريقِ سبيلِ

هوّاتُ دربٍ حفَرَتْها المِحنْ 
وتُعلِّمُ الساقطَ كيفَ اعتدلْ
بُرهانُ صبرٍ في تقاطُعِنا 
لننهضَ من بعدِ جُرحٍ ثَقَلْ

حوادثُ العمرِ لنا دَرسُها 
نقبلُ أوّلَ سقْطةٍ في المَطَلْ
فنوقِدُ فينا جذوةً صامدةً 
ونَصعدُ للنورِ بعدَ الأُفُلْ

إذا ما أظلَّتنا عتماتُها 
سعَينا لفجرٍ يلوحُ أملْ
فأُسُسُ عزّتِنا شامخَةٌ 
نخلَعُ ثوبَ الوَهنِ المُثقَلْ

شجاعةُ نفسٍ على موقفٍ 
تُواجِهُ ضعفاً ولا تَخجَلْ
وتبني جسورَ العطاءِ لنا 
فنكبرُ في الروحِ جيلاً فَصَلْ

ساحاتُ نِزالٍ مقدَّسةٌ 
نميلُ ونرجعُ مثلَ البَطَلْ
فنَلمعُ شوقاً ككوكبِنا 
ونُشعلُ في الدربِ نورَ الأملْ

وإن كبُرَتْ قِممُ الممكناتْ 
صعدنا إليها بغيرِ كسلْ
فنُبصرُ ما كانَ مستَتراً 
ونَغزو الأعالي بلا خَجَلْ

رسالةُ بعثٍ لنا تتلى 
نُعيدُ الجرأةَ بعدَ وَجَلْ
ويُشرقُ أملٌ على جسَدٍ 
جديدٍ يُطلّ كفجرٍ أُوَلْ

ترياقُ دحرِ الهزيمةِ أنْ 
نقبلَ عثرةً ونبتَهِلْ
فنفتحُ أبوابَ فتوحةٍ 
ونمشي بخُطوٍ سَويٍّ مُعتدَلْ

وعَهدٌ على النهوضِ لنا 
إذا ما تبدّدَ ليلٌ ثَقَلْ
تحقَّقَ وَعدٌ بصَعودِ هوىً 
إلى قمّةِ الحبِّ حيثُ الأملْ

ذُرى النصرِ تأتي مكلَّلةً 
بإصرارِ قلبٍ قويٍّ احتَمَلْ
فنبدأُ دوماً من الأوّلِ 
ونمضي إلى الغدِ رغمَ الوجلْ

رُسُلُ الحقيقةِ ألسِنَةٌ 
صريحةُ نُطقٍ بلا عَزَلْ
فنَسجُ أقوالِنا صافيةً 
ولا نَميلُ إلى المُختَلْ

سفراءُ عَدلٍ ومكرمةٍ 
وجُندُ صِدقٍ بغيرِ حِيَلْ
قوامُهمُ شاهدٌ ثابتٌ 
وحبٌّ نقيٌّ كماءِ الغَلَلْ

معماريّو الصراحةِ ما فيه 
بنَوا غيرَ صرحٍ بهِ اكتَملْ
فكانوا رُسلَ العدالةِ في 
صدىً يتردّدُ عبرَ الجبَلْ

أواصِرُنا بالحقِّ شاهدةٌ 
نُجاهرُ بالسرِّ حيثُ انكشَفْ
وضوحُ ضياءٍ بصفوِ سَنا 
فلا نَكتمُ النورَ أو نختَفْ

فما عادَ ماضٍ بغيرِ صدىً 
ففضائلُ الأمسِ عادتْ تُجَلْ
وصُنّاعُ حقٍّ إذا عمِلوا 
تلألأَ في دربِهمْ ما كمُلْ

 

 نُقاةُ السرائرِ

ملاحمُ نصرٍ تجلّت عُلا
وعزمُ النفوسِ يُضيءُ المُنى
عمائرُ ثقةٍ تُشيَّدُ فيـا
وأفراحُ أملٍ تـزيـنُ الذرى

صفاءُ القلوبِ طهورُ الرجا
وفنٌّ أصيلٌ يجلّي الغِنا
صنّاعُ حروفٍ نُقاةُ الكَـرى
يُبدّونَ سرَّ المعاني جَـلا

ويَنسجونَ وَصلًا يُحيّي الدُنا
ويَعلّمونَ فنونَ الكَشَفا
تجلّى الجوهرُ، لاحَ الضيا
وقامَ الخلودُ يُقيمُ البَقا

ونورُ الحروفِ سناهُ سمتـا
وصوتُ الحقيقةِ عادَ صَفا
رسولُ الكلامِ أمينُ النَّـدا
يُجاهرُ صدقًا، يزيـلُ العَـمى

عظيمُ الرسالةِ فينا اعتلا
ونجمُ الحقيقةِ يُهدي السَّـنا
بُناةُ البيـانِ عقولُ الضيا
يكشفونَ المكنونَ دونَ رِدا

ويزرعونَ الرجاءَ سنا
ويعلّمونَ فنونَ الكَشَفا
فرسانُ عزمٍ قلوبُ الوفا
يُفيضونَ حُبًّا، ويُحيونَ ما

سَخاءُ العطاءِ سرورُ الهُنا
ونورُ الحقيقةِ أضحى البقا
جماعاتُ صفوٍ رجالُ النُّبـا
وأبراجُ نورٍ تُضيءُ الفضا

يُفيضونَ وُدًّا، حنينًا، صفا
ويُزهِرُ حُبٌّ نقاءً سَـنا
شرائعُ صدقٍ تُعيدُ المدى
وحُسنُ الحقيقةِ يُحيي العُلا

وصنّاعُ نصرٍ بَناةُ الرجا
لهيبُ يقينٍ، ونورُ الهُدى
عمائرُ فنٍّ أصيلٍ بَدا
وصوتُ الحقيقةِ يُحيي الدُّنا

صنّاعُ القولِ نُقاةُ الحِمى
يكشفونَ السِّرَّ، يُجلوـنَ ما
بصدقِ العطاءِ صفاءً نما
وعِلمُ الإبانةِ أضحى سَـنا

جماعاتُ صدقٍ نقيِّ السَّنا
توافقُ روحٍ يفيضُ الهُدى
ملاحمُ نصرٍ تلوحُ العُلا
وعَزمُ نفوسٍ سمتْ مُبتدى

عمائرُ ثِقةٍ تُشيَّدُ فينا
وصرحُ رجاءٍ يُضيءُ المُنى
حرارةُ آمالِ قلبٍ طهورٍ
وفنٌّ أصيلٌ يجلّي الغِنا

صنّاعُ حرفٍ كرامُ النَّدى
يكشفون السِّرَّ في مُبتغا
أناملُ وَصلٍ ترومُ العطاءَ
وعِلمُ إبانةِ سرِّ الخفا

صفاءُ جوهرٍ يُضيءُ الحقيقة
وأفقُ خُلودٍ يُقيمُ البَقا
لهيبُ الحروفِ نقاءٌ وصدقٌ
وصوتُ الوجودِ تَجلّى سَنا

مجالسُ عدلٍ، ضميرٌ وفيٌّ
وحُسنُ تمامٍ على ما ارتجا
مواقفُ صدقٍ تُثيرُ الحميَّة
وصورةُ روحٍ بها المُبتغى

رُسلُ البيانِ أُمناءُ الكلام
يُجاهرونَ بلا مُلتَحى
عِظَمُ رسالتِهم في اتّساعٍ
ونجمُ صفاءٍ هدى وارتقى

معماريّو الحُجَّةِ الواضحاتِ
يكشفونَ المكنونَ جهرًا رَجا
ويَزرعونَ الرجاءَ طهورًا
ويُعلّمونَ فنونَ الكَشَفا

فرسانُ عزمٍ، كِرامُ القلوبِ
بصدقِ العطاءِ، بنورِ الصَّفا
سَعةُ بذلٍ، سرورٌ أصيلٌ
وعزمُ سعادةٍ لا اختفى

جماعاتُ صفوٍ، رجالُ النُّبلْ
وأبراجُ نورٍ، بريقُ الأملْ
يَفيضونَ وُدًّا، وفاءً عظيمًا
ويُزهِرُ حبٌّ طهورُ العملْ

ملاحمُ صدقٍ تجلّت بُذورًا
وَكشفُ السَّرائرِ صارَ العَملْ
عمائرُ وعيٍ، وضبطُ الحكيمِ
وفَتحُ العطاءِ، يَجلّي الأَملْ

شرائعُ صدقٍ تعودُ إلينا
وحقُّ الحقيقةِ يُحيي الدُّنا
صنّاعُ نصرٍ، بَناةُ العُلا
لهيبُ يقينٍ، ونورُ الهُدى

مجالسُ عدلٍ، ضميرٌ وَفيٌّ
وحُسنُ تمامٍ على ما ارتجا
مواقفُ صدقٍ تُثيرُ الحميَّة
وصورةُ روحٍ بها المُبتغى

بُناةُ البيانِ، نُجباءُ الكلام
يُصاغونَ حِكمًا، بغيرِ رِدا
بقاءُ الأصالةِ حارسُ فنٍّ
وصدقُ المعاني بديعُ المُنى

صُنّاعُ القولِ نُقاةُ السرائرِ
يكشفونَ الوُدَّ في ما جَلا
بصدقِ أداءٍ، بضياءِ العطاءِ
وتُهدي القلوبَ صفاءً هُـدى

 

رسمِ الزمانِ

اقبَلْ طريقَكَ في الحياةِ فمُقتدَرْ
وابنِ الأمانَ بصدقِ إيمانٍ أزَرْ
حرِّرْ رؤاكَ من القيودِ ترفَّعًا
وانجُ المرائي إنَّهُ وَهْمٌ غَرَرْ

عِشْ في فنونِكَ عاشقًا ومُحرَّرًا
تسقي المعاني من ينابيعِ السَّحَرْ
قِسْ نفسَكَ الحرَّ الكريمَ بصفوةٍ
لا بالجموعِ فتلكَ أوهامُ البشَرْ

واجعلْ لروحِكَ في الصفاءِ عبادةً
تُهدي الضميرَ وتستقيمُ على الأثَرْ
وازرعْ يقينَكَ في الوجودِ حقيقةً
فالنورُ يزهرُ في قلوبٍ قد صَبَرْ

هذي الحياةُ بناؤُها في طُهرِنا
والصبرُ بابُ المجدِ، والعزمُ الظَّفَرْ
حرِّرْ قيودَ الخوفِ، حلِّقْ صادقًا
فالحُرُّ يعرفُ ما الحقيقةُ وما الخَطَرْ

واعلُ بسُلَّمِ حكمةٍ أزليةٍ
تُهدي العقولَ وتستضيءُ بها البصَرْ
هذي وصايا الروحِ في أشعارِها
فاسلكْ سبيلَ النورِ وامضِ إلى الظَّفَرْ

واجعلْ هَوى قلبِكَ صرحًا شامخًا
يبني المعاني بالوفاءِ وبالظُّفُرْ
عِشْ فريدًا، لا تُقارنْ بالورى
فالفردُ مِفتاحُ التفرُّدِ والظَّفَرْ

واتركْ قيودَ الناسِ خلفَكَ صاغرًا
فالنفسُ تُعلو حينَ تُكرمُها الفِكَرْ
وابنِ بالصدقِ القلاعَ فإنّها
تبقى ويذوي كلُّ مَن عاشَ الغَرَرْ

واصنعْ لنفسِكَ في الرجاءِ مفازةً
يزهو بها قلبُ المنيبِ إذا اعتبَرْ
واحمِلْ مصابيحَ اليقينِ فإنَّها
نورُ الدروبِ إذا تكاثَفَها الكدَرْ

هذي طُرُقُ العارفينَ إلى العُلا
والصادقونَ على مكارِمِها صَبَرْ
فامضِ بعزمِكَ واثقًا في خُطوةٍ
واعلُ بسُلَّمِ مجدِكَ العالي الأثَرْ

اقبَلْ سبيلَكَ في الوجودِ
وابنِ للهُدى عمودِ
واسعَ بالإيمانِ قلبًا
فهو مفتاحُ الصمودِ

حرِّرْ بصيرتَكَ السنيَّة
وانجُ من مرآةِ أنيَّة
وامضِ في فنٍّ رفيعٍ
صادقِ العِلمِ، قُدسيَّة

دَعْ قياسَكَ بالآخرينَ
عِشْ فريدًا بين العالَمين
وابنِ بالعقلِ قصورًا
بالصفاءِ وباليقين

جمِّعِ السِّلمَ بدقَّة
واكتَمِلْ فيكَ بحقيقة
وامضِ نحوَ الكَمَالِ
صادقًا بالناموسِ طُرْقة

خُذْ قرابةً مع الفريدِ
وأثبِتِ القَدرَ الجديدِ
وابنِ بالصدقِ بُنيانًا
واسعَدِ القلبَ السعيدِ

صُنعوا دروبَهم بسلامٍ
قَبِلوا اختلافَ الأنامِ
شعلوا بالنورِ عزيمةً
حاضِرًا صادقَ الوِئامِ

واستراحوا باليقينِ
واكتملْ فيكَ كينونِي
وابنِ بالعُلوِّ رُؤًى
في مَدى الحُسنِ الظاهرين

كشفتْ حكمتُهم القديمة
صِدقُ روحٍ مستقيمة
صُنّاعُ حقٍّ ينادونَ
بحماسةٍ عظيمة

واجتمعوا أحرارَ طُهرٍ
واتحدوا مع قلبِ بشرٍ
شيدوا العدلَ توازنًا
واسعَدوا بالخيرِ والذِّكرِ

كسَروا قيودَ الظلامِ
أعلنوا أصواتَ السلامِ
شعلوا بالنورِ دروبًا
صِدقَ عيشٍ للأنامِ

بلغوا ذُرى الاطمئنانِ
اكتملوا بالفضلِ سُلطانِ
شيدوا الأملَ في علياءِ
واسعَوا بالوُسعِ إمكانِ

نسَجوا سَكينتَهم بسلامٍ
قَبِلوا فريدَهم بانسجامٍ
حرروا الشوقَ للكمالِ
بروحِ سرٍّ ووَئامٍ

جمعوا جوهرَ المعاني
وأتمّوا بالحقِّ كياني
شيدوا أملَ الأرواحِ
في رُؤى رسمِ الزمانِ

واجتثّوا خوفَ القلوبِ
حرروا عَينَ الدروبِ
أشعلوا فرحًا مضيئًا
صِدقَ فنٍّ في الحُبوبِ

واستراحوا بالحِكمةِ الغنَّاء
قبِلوا طريقًا بالضياء
شيدوا غِنى الرُّؤى في الأرواحِ
واسعَوا بالإيمانِ في العَلياء

 

 أوجَ نعمةٍ

سما السُّمو من نارِ بلوى عسيرةٍ 
فعَلتْ به الأرواحُ نحو العلاءِ
وصاغَ الصبورُ الدربَ صرحًا مهيبَةً 
فأكملَ روحَ المرءِ صرحَ البناءِ

وألقى الحكيمُ الصبرَ ضدَّ عواصفٍ 
فأنبتَ في قلبِ الفؤادِ الرجاءَ
دواءٌ من السِّلمِ المصفّى يفيضُه 
كتابُ هُدى يمحو مآسي الشقاءِ

تسامى إلى ميزانِ نفسٍ مطهّرةٍ 
فكان دواءُ الغضبِ الصفوَ ماءَ
وألبسَه حِلمًا رقيقًا كدرعِه 
ليُدرِكَ إيقاعَ الزمانِ القساةِ

وعاينَ في قممِ التأمّلِ رفعةً 
تسيرُ به الأرواحُ نحو السَّناءِ
فصبرٌ كأوتارِ الغناءِ رقيقُه 
يلينُ كما اللحنُ العجيبُ الرخاءَ

وكم مجلسٍ صافٍ تهادَتْ خواطرٌ 
به كزلالِ الماءِ يغمرُ فياءَ
يُفيضُ سلامًا صادقًا في مآلهِ 
ويبني على الأرواحِ دارَ الصفاءَ

ويشرقُ نهجُ العدلِ في قلبِ مؤمنٍ 
كسِرٍّ نقيٍّ قد تجلّى ضياءَ
فذروةُ أملٍ نادرةٍ في شروقِها  
تعانقُ فجرًا ناصعًا ببهاءَ

تسامى إلى أفقِ التوازنِ صاعدًا 
يبدِّدُ ليلَ الغضبِ والظلماءِ
دروعُ الحكيمِ الحرِّ صارتْ لطيفَةً 
تُصانُ بها الأرواحُ من بَلْوَاءِ

وصعدتْ أنفاسُ التأمّلِ عذبةً 
كأطيارِ شوقٍ حلَّقتْ في الفضاءِ
فصارتْ مقاماتُ السكونِ منابرًا 
تؤدي لسرّ النورِ بين الضياءِ

مجالسُ فكرٍ قد تجلّتْ صريحةً 
كأنّ بها أرواحَ صفوِ السّماءِ
فأمطرَ عقلٌ مستكينٌ طمأنينةً 
وزانَ لهُ فيضًا عميقَ ولاءَ

ولمّا تجلّى سلمُ روحٍ نقيةٍ 
غدا لذوي الأحزانِ دارَ شفاءِ
فأشرقَ ميلادُ السكونِ كأنّهُ 
جَنابُ ربيعٍ طاهرِ الأرجاءِ

نهوجُ اعتدالٍ أزهرتْ في رياضِها 
فصارتْ سبيلًا للهدى والصفاءِ
وعرشُ رجاءٍ نادرٍ في سناهُ قدْ 
سما نحو أفلاكٍ بعُدْنَ خفاءَ

فأضحى التوازنُ في القلوبِ بشارةً 
كأنّ به الأرواحَ ضوءَ سماءِ
وأضحى رجوعُ النورِ من سرِّ روحهِ 
خلاصًا من الأوجاعِ بعدَ عناءَ

توجَّه للقلبِ السكونُ برحمةٍ 
فأشرقَ مثلَ الفجرِ بعدَ مساءِ
وصارتْ جسورُ الحِلمِ أركانَ حكمةٍ 
تُشيَّدُ في الأرواحِ ضدَّ الفناءِ

فما العزلةُ الكبرى سوى سرِّ وُدعةٍ 
تبوحُ بسرٍّ خافقٍ في الخفاءِ
إذا ما تجلّى الصمتُ صارَ بلاغةً 
وأضحى صدًى عذبًا كصوتِ دعاءِ

صفاءُ هواءٍ في رياضِ تأمّلٍ 
كأنّ به الأرواحَ تَسمو سَناءَ
وسلمٌ من الأنفاسِ ينسابُ هادئًا 
كجدولِ ماءٍ في رُبا الخضراءِ

فما أبدعَ الأرواحَ إذْ هي صاعدةٌ 
تعانقُ في الآفاقِ نجمَ السماءِ
وما أجملَ الأصداءَ في عمقِ سكينةٍ 
كعودٍ شجيٍّ يبعثُ الأنسَ ناءَ

مراسي رجاحٍ قد ثبَتْ في عواصفٍ 
تحيطُ كبحرٍ هائجٍ بهواءِ
وعهدُ وفاءٍ مع حكيمٍ مجرَّبٍ 
يُعلّمُ أنَّ الصبرَ زادُ البقاءِ

وجُزرُ القلوبِ الصافياتِ نعيمةٌ 
كأنّ بها الأرواحَ دارَ صفاءِ
وفيها شرابُ الطمأنينةِ ساكرًا 
كخمرِ هُدىً يروي ظمأَ العظماءِ

إيثارُ مَن بالفضلِ يفهمُ جوهرًا 
ويعلمُ أنّ السلمَ سرُّ العطاءِ
فصاغَ كيمياءَ السلامِ بصحوةٍ 
تعودُ بها الأرواحُ بعدَ شتاءِ

وأضحى فنونُ العمرِ مدرسةً هدىً 
تفيضُ دروبًا من رجاءٍ سواءَ
فجاءتْ بشاراتُ السكونِ كأنها 
ربيعُ قلوبٍ بعد طولِ عناءِ

تجرّدتِ الأرواحُ من كلِّ شهوةٍ 
فعانقتِ الأخلاقَ زهرَ الوفاءِ
وصارتْ جموعُ الفضلِ عقدًا منيرَةً 
تضيءُ لنا الدربَ الطويلَ العراءِ

فأعلى التجرّدُ في السموِّ منازلًا 
تسيرُ كما تسري النجومُ ذكاءَ
وفيها شموخُ الروحِ يسمو بحبِّها 
فتبني صروحًا من ضياءٍ نداءَ

تراكمتِ الأمجادُ نصرًا مهيبَةً 
على مهلٍ كالدرِّ بعد انحناءِ
فصارتْ بُنى السِّلمِ العظيمِ منائرًا 
تلوحُ كمصباحٍ يبدّدُ دَجاءَ

وما زالتِ الذكرى لطيفةَ وقعِها 
تُصوّرُ للأنفاسِ عهدَ صفاءِ
فتشرقُ في الآتي سنينٌ هنيئةٌ 
ويُغمرُ بالأفراحِ عمرٌ وفياءَ

سعتْ للهوى الأرواحُ نحوَ انسجامِها 
فأبدتْ دواءً من سكينةِ ماءِ
وزالَ هياجُ القلبِ إذْ هي وحّدتْ 
صداها على لحنٍ رقيقِ رجاءِ

فكان سلامُ الروحِ غايةَ مطلبٍ 
وغايةُ تأمّلِها صفوُ ناءَ
فتمَّ تمامُ الصفوِ فيها مقدَّسًا 
كأنّ به الأرواحَ دارَ هناءَ

مجالسُ أهلِ الفضلِ أضحتْ منابرًا 
تباركَ فيها العقلُ ضدَّ الجفاءِ
وأشجارُ حِلمٍ عمَّقتْ من جذورِها 
لتُخرجَ أثمارًا من الوعيِ ناءَ

فجاءتْ عصورُ الوُدِّ تُشرقُ نورَها 
كفجرٍ جديدٍ طافحٍ بالصفاءِ
وكانتْ محبةُ ربِّنا أوجَ نعمةٍ 
وغايةُ سلمٍ واهبٍ للعطاءِ

ربيعُ العمرِ

يا أيُّها الساعونَ نحوِ فضيلةٍ
إنَّ الصديقَ لخُلقِهِ يُستَشعرُ
ما نالَ مجدَ المرءِ إلا صُحبَةٌ
تُزكي النفوسَ، وبالوفاءِ تُؤزر

كم صاحبٍ في القولِ يُبدِي ودَّهُ
حتى إذا جدَّ الزمانُ تَنَكَّرُ
لا يُعرفُ الإخلاصُ في ميسورِهِ
بل في الشدائدِ معدنٌ يتطهَّرُ

فاختر لدرْبِكَ من إذا ضاقَ المدى
فتحَ الرجاءَ، وعن هواكَ يُبصِرُ
يرعاكَ في غيبٍ، ويسترُ عثْرَةً
ويزيدُ إن نَقصَ الزمانُ ويشكُرُ

فالمرءُ بالخلقِ الجميلِ مكانُهُ
لا باللسانِ، ولا بما يتكثَّرُ
ومن استقامَ على الوفاءِ فإنَّهُ
يبقى وإن جارَ الزمانُ ويُذكَرُ

هي قصةٌ تُروى بروحٍ صادقةٍ
فيها من الإحساسِ ما لا يُنكرُ
تُهدي إليكَ صفاءَ قلبٍ ناصحٍ
لم تُفسِدِ الأيامُ ما يتطهرُ

عن صحبةٍ تبقى على أعتابِها
معنى الحياةِ ومجدُها يتكررُ
فالصّدقُ فيها جسرُ كلِّ مودةٍ
يمضي ويُزهِرُ حينَ يُمحَصُ جوهرُ

ولعلَّ قارئَها يرى في طيِّها
ما فاتَ من عهدِ الصفاءِ فيذّكرُ
فإذا انقضت أبياتُها وتتابعتْ
شعرًا يفيضُ، وعِبرَةً تُستنثرُ

هي دعوةٌ للحبِّ، للعهدِ الذي
يبقى إذا خفتَ المنى وتبعثرُ
ولكلِّ قلبٍ صادقٍ في وُدِّهِ
نورٌ يُضيءُ، وإن تعاقبَ مُقفِرُ

فاصحب أخاً إن غبت عن عينيهِ راح
يدعو بصدقٍ ما يُخيب ويُؤزر
يُخفي جميلك إن ذكرتَ، ويستحي
أن يُظهر الإحسانَ وهو يُضمر

لا يعرف الإحسانَ من بسط الندى
ثم استزادَ على الرفيقِ يُجاهر
لكنّ من صدق الوفا في طبعِهِ
يبقى وإن جارَ الزمانُ ويصبر

هو في ودادك صادقٌ، لا ينثني
مهما تقاذفتِ الرياحُ وتزأر
فتراهُ في يوم الرخاءِ مؤازراً
ويزيدُ عند العُسر حتى يُشكر

إن الإخاءَ حقيقةٌ لا تُشترى
بل معدنٌ يبقى وإن يتغيّر
فالمالُ يذهبُ والمواقفُ تُرتجى
والمرءُ بالخلقِ الكريمِ يُقدّر

فاختر صديقاً إن رآك مكدَّراً
أخفى الأسى عنك ابتساماً يُبهر
يرنو إليك بعينِ من قد شاطَرَتْ
فرحَ النفوسِ، وهمَّها يتكسَّر

لا يُغريكَ بالعهدِ إن نال المنى
بل في اشتدادِ الدهرِ دوماً يُذكر
يمشي مع الأيامِ في خُلقِ التُّقى
لا يُرهبُ الإعسارَ إنْ يتقدَّر

يُؤْثِرْكَ المعروفَ دونَ تكلفٍ
كالغيثِ يهمي، لا يُعابُ ويُشكر
قد عاشَ يهوى الصفحَ عن ذي زلّةٍ
ويرى العطاءَ على المودّةِ يُثمر

فإذا التقَتْ في دربِه نُفوسُهُمُ
نشرَ السلامَ، كأنَّهُ يتبختر
تبقى المروءةُ للكرامِ وسامَهُمْ
والصدقُ تاجٌ في الجبينِ يُسطّر

يا صحبَ صدقٍ، في المودّةِ منزلٌ
يبقى وإن خَبَتِ المنى وتبعثرُ
فيكم نرى وجهَ الوفاءِ مُضيئَةً
تَزهو القلوبُ بهِ، ويُصفو المحضرُ

أنتم ربيعُ العمرِ إن جدَّ الأسى
وملاذُ روحٍ في الهمومِ تُكبَّرُ
تبقى المكارمُ ما بقيتَ كريمةً
والودُّ إن طابَ الأصلُ لا يتغيّرُ

فالناسُ ألوانٌ، ولكنَّ الذي
يبقى لوجهِ النبلِ دوماً يُذكَرُ
ما خابَ من جعلَ الصداقةَ دربَهُ
ومشى عليها خاشعاً يتبصّرُ

هيَ وردةٌ لا يذبلُ العِطرُ الذي
فيها، وإن مرَّ النسيمُ وأبحرُ
تبقى القصيدةُ نبضةً إنسانيّةً
تسمو على زيفِ الوعودِ وتزهرُ

 

مَقَامَ الصَّخْرِ

سَلِ الضِّيَاءَ الَّذِي فِي صَدْرِكَا  يَبْقَى وَيَزْدَانُ بِالْهُدَى وَالْفَضْلِ تِلْكَ مَسَاحَاتُ الْكَلَامِ مُؤَوَّلٌ  تَحْتَ الْحُرُوفِ ...

الأكثر رواجا