الاثنين، 20 أكتوبر 2025

شَوْكُ الدروبِ

ليست القممُ الشامخاتُ تُعيينا
بل حبّةُ الرملِ الصغيرُ تؤذينا
تلكَ التي في الحذاءِ تخفى، وتُعثرُ
خُطى المسافرِ، فيدنو ويَحزينا

ما أثقلَ الهمَّ الصغيرَ بعيننا
من ألفِ تحدٍّ عظيمٍ يُدانينا
فالروحُ تَسقُمُ من توافهِ شغلها
وتنسى الذرى، حينَ صَغائرُ تُلهينا

والقطراتُ التي سُكِبَتْ من عَناءٍ
لم تذهبِ سُدى، ولن تَخذلَ الساعينا
بل تُورِقُ الأرضَ التي في نقائِها
يَنبتُ الجزاءُ، ويُزهرُ في نادينا

وكلُّ جهدٍ صادقٍ في مسيرتِه
يُغني الترابَ ويُثمرُ الماضينا
حتى تصيرَ النفسُ شكراً نديّةً
تُصافحُ الرِّضا، وتَروي مُحيّينا

وما التعبُ إلا من تَوافهِ دَربِنا
تُقيّدُ الخُطا، وتُثقلُ الحافينا
أما الأفقُ البعيدُ، ففيهِ دعوةٌ
تُنادينا، شجاعةً من نَوازينا

فعرقُ الشريفِ على جبينِ كِفاحِه
يَزرعُ إرثاً، ويُسقي أمانينا
ليبقى غدٌ، في النقاءِ مُثمرًا
ويحملُ خيراتِنا للآتينا

فلسنا بحاجةٍ لِرؤيةِ العُلى
لكن نُنقي الطريقَ المُدنّسَ فينا
فالعثرةُ ليست في الجبالِ شموخها
بل في قيودِ الخطى تُبكينا

والخصمُ حقاً في التفاهاتِ يكمنُ
لا في العوائقِ التي تُرعبُ العينا
فلنحرّر النفسَ من سُخفِ ما بها
ونبلغَ خيراً بصفاءِ مساعينا

تزهرُ الثمارُ على تُربةِ المُنى
حينَ يرويها العناءُ بأيدينا
فما خابَ من صَفّى نواياهُ طائعاً
وكانت لهُ الأفعالُ تَزيينا

من جاهدَ النفسَ بالحقِّ مُجتهداً
رأى مقاماً، جمالُهُ لا يُوارينا
يكبرُ خفياً، لا يُرى في مظاهِرٍ
لكن يُضيءُ القلوبَ ويَهدينا

النصرُ لا يأتي من ضوضاءِ مَنطقٍ
بل من يدٍ خفيةٍ تُرضي نادينا
فكم من بطولاتٍ سُطرت في الخفاءِ
وكانت لوجهِ الحقِّ، لا تَعلينا

فلنُنقِ الطريقَ من رمالِ أذاهُ
كي لا يعودَ التعبُ يَسقينا
ونُطلقُ خُطانا على سُبلِ الهدى
نرقى إلى الجناتِ تأوينا

فكم من صغائرَ تُسقطُ همةً
وتُهوي عزيزًا، كان فينا الأمانينا
لكن عظيمَ الظفرِ لمن صدقَ السّرى
وكان نقيَّ القلبِ في تكوينا

وحينَ تزولُ القيودُ الخفيةُ
تَذوبُ الآلامُ، وتَجلو ليالينا
ويُولدُ فينا من صفاءِ أرواحنا
نَفَسٌ جديدٌ، يَحيي الماضينا

فتبدو الجبالُ كأنها أحبّةٌ
إن ثبتَت الأقدامُ فينا، تُواسينا
بعدما زالت شَوْكُ الدروبِ وألمُها
تُصبحُ الطريقُ بِنورِها تُغنينا

 

مدى الحِكمَهْ

قانونُ القلوبِ الغريبُ العجيبْ
يفتحُ بابَ التقديرِ المُهيبْ
للَّامُبالاةِ إذا ما سرتْ
لا للحماسِ إذا ما انفجرتْ

فحينَ تَلوذُ بصمتِ السكونْ
تحظى بجاهٍ ومَجدٍ مصونْ
لكنّ شوقَك إن بانَ جلياً
يُلقى سُخريّةً واحتقارا قويّا

فما المالُ إلا متاعٌ زَهيدْ
يُعطى بسَهلٍ لِكلِّ وليدْ
ولكنَّ صدقَ انتباهِ القلوبْ
يظلُّ كنزاً عزيزَ الهروبْ

الوفاءُ نادرٌ، صادقُ البذلِ
والصدقُ دربٌ كفيضِ النهلِ
والسعيُ إذ يُبذَلُ بالإخلاصِ
يفوقُ أرباحَ كلِّ الناسِ

من وهبَ الودَّ بلا مقياسْ
ولا قيودٍ ولا احتراسْ
رأى الجحودَ عليهِ دليلاً
وطعنَ قلبهُ مستحيلاً

فالحبُّ إن قُدِّمَ باندفاعْ
ضاعَ على بابِ الاستباحْ
لأنَّ مَن لا يُجيدُ الوفاءْ
لن يَعرفَ للحرصِ أيَّ اكتفاءْ

مفارقاتُ العلاقاتِ بدتْ
فأسمى القرابينِ حينَ امتدتْ
لا تُثمَّنُ عندَ من لا يدري
لكنها عند الغريبِ تُقدَّرُ قدري

فالبُعدُ يَنسُجُ خيطَ الوقارْ
والقربُ يُخفي ضياءَ المَدارْ
فكلُّ صفاتِكَ إن بانتْ
تُصبِحُ عاديّةً إن دامتْ

ذاكَ الذي غابَ صارَ الثمينْ
أغلى من الصاحبِ المُستكينْ
ذاكَ المُحبُّ الوفيُّ القريبْ
لا يُرى إلّا كظلٍّ غريبْ

فلنتعلَّمْ فنَّ البُعدِ الحكيمْ
كي تبقى قيمتُنا لا تهيمْ
ونعرفَ كيفَ نُصانُ بقدرْ
في أعينِ الناسِ نبلغُ الفخرْ

فالناسُ مرآتنا في الحياةْ
تُظهرُ ما في قلوبِ النجاةْ
وتكشفُ ما فينا من انكسارْ
حينَ نراهم بوضوحِ المدارْ

تأثيرُهم مرآةُ الأرواحْ
يفضحُ ما نُخفيهِ في الوشاحْ
ويُبرزُ فينا خفِيَّ الجوانبْ
من بُرْعُمِ القلبِ رغمَ الحَواجِبْ

أمامَ الغيرِ نُبدي الصفاتْ
إمّا سماحةً أو خبثَ نياتْ
تَبرزُ حقيقتُنا بانعكاسْ
من ظرفِ موقفٍ أو التِباسْ

وما المالُ يُبدِّلُ ما قد كَمنْ
في عمقِ ذواتِنا إن سكنْ
بل يكشفُ من نحنُ في الأُسْرَهْ
ويُظهرُ فينا مدى الحِكمَهْ

فالثروةُ تختبرُ النفوسْ
وتُفصحُ عمَّا بها من دروسْ
فلا يُخفي الزيفَ فيها الغِطاءْ
بل يُظهرُ الحقَّ في الخَفاءْ

 

ريشةُ فنٍّ

ريشةُ فنٍّ تلامسُ الصفحاتِ
بلُطـفِ حُبٍّ وطيبِ الكلماتِ
حبُّ قلبٍ بفضلهِ مُكرماتِ
وسلامٌ يُغنـي الأرواحَ الهانياتِ

حِبرُ وردٍ يسيلُ على ورقِ
في حنانٍ كلمسِ طفلٍ برقِ
سكَنٌ يمنحُ النفسَ في أفقِ
واحترامٌ بوجهٍ مشرقِ

زخرفتْ بالخطوطِ المخطوطاتْ
زوجةٌ قادتِ الدربَ بثباتْ
والهدوءُ الجميلُ في الطرقاتْ
ثمّ مجدٌ يُشيَّدُ من نبَلاتْ

آيُ نظمٍ تزيّنت بالبهاءِ
ورفيقةٌ في المَدى والرجاءِ
وسكينةٌ تُلملمُ بالبُهاءِ
وجلالٌ يُصاغُ من الوفاءِ

مخطوطاتٌ تبرقُ بالأنوارِ
وحبيبةٌ تشفي كلَّ انكسارِ
والسكونُ يُداوي الانصهارِ
والعلوُّ من همسِها استقرارِ

حرفُ ذهبٍ على بياضِ الصفاءِ
وزوجةٌ في العُلا ذاتُ إباءِ
والهناءُ يحيكُ ثوبَ الرجاءِ
والفخارُ وليدُ حُسنِ العطاءِ

بلاغةٌ بقدسِها تتغنّى
ومُلهمةٌ للمعاني المثنّى
وبَهاءٌ بلَمسها قد تَمنّى
والنجاحُ من صدى صوتِها جنّى

نثرُها في البيانِ له رونقُ
وسليلةُ الطهرِ، زاهي الخلقُ
وإذا مسّ الجرحُ جاء الشِّفَقُ
والنُّهى من إشاراتها تُخلقُ

بيتُ شعرٍ بلحنِه مستفيضُ
وحبيبةٌ لحنُها لا يُبيدُ
راحةٌ في أناملِها تجودُ
والمَدى من فُهومِها يستزيدُ

فصاحةٌ في حديثِ الحنينِ
وجليسةُ القلبِ وقتَ الأنينِ
وسكينةٌ تُذيبُ الجنينِ
والمجدُ يُولَدُ من اليقينِ

شطرُ بيتٍ تبرّجَ بالذَّهَبِ
وزوجةٌ ذاتُ عزمٍ لم يَغبِ
والرضا في حنانِها لم يَغبِ
واسمُها في المفاخرِ لم يُكتَبِ

نقشُ نظمٍ على جدارِ السّكونِ
سيدةٌ تبوحُ بكلِ الفتونِ
والسلامُ يزيّنُ كلَّ الظنونِ
والمكانةُ من جلالِ السُّكونِ

سونيتٌ مرصّعٌ بالجمالِ
ومُلهمةٌ بالصفاءِ المثالي
هدأتْ حين قامتِ الليالي
وظفرتْ بالبهاءِ الخيالي

أنشودةٌ بلحنِها الكُحلُ بانْ
وحبيبةٌ تضمّنا في الحنانْ
طمأنينةٌ تشرقُ كلَّ مكانْ
وشموخٌ يُصاغُ من الأمانْ

قافيةٌ زُيِّنَت بالحُليِّ
وزوجةٌ بكلامِها كالمُليِّ
سَكَنٌ في سُطورِها لا يُجلي
والمكارمُ من عهدِها المُعلي

 

مرآة حُرّة

البعض يبقى نبيلاً، في الرّفاه الجليل
رغم الثراء الجارح، كالسّهم القتيل
وآخرون يضيعون، عزّهم في السرور
من أوّل الفرح، يهتزُّ فيهم الضمير

فالذهب يكشف الطباع الخفيّه
كما تكشف الشدّةُ النفسَ النقيّة
إمّا فضائلُ تُضيءُ الطريقَ بعطرها
أو رذائلُ تمضي بلا أيّ وقيّة

مرآةُ الغِنى تُظهر الثباتَ الأصيل
أو تقلُّبَ النفس في الوقت العسير
حين تزدهر الدنيا وتفتح ذراعها
يُبانُ الوفاء أو الهوى المستدير

فالقيم الصادقة لا تموت إن غَنِيت
ولا تذبلُ إن راقت عليك المراتب
تبقى كما هي، ولو جاءكَ الحُكمُ
تسمو، وإن علت عليك المناصب

من ظلّ نزيهاً، في عزّ السُّؤدد
وأُوتي من الدنيا ما شاء المدد
فهو صادق، في سكونٍ وبساطه
كأنّ الحقيقة فيه قد وُلدت

فنعيم اليسر أبلغ في الامتحان
من ضيق فقرٍ أو ألمٍ وهوان
فالمال يفضح ما نخفي من طباعٍ
ويكشفُ زيف النوايا والوجدان

حين يفيض المال يظهرُ الجنان
من فيه صدق؟ ومن فيه دخان؟
ألوانُ القلوب، تُرى في البذخِ
كأنّ الرخاءَ كاشفُ الميزان

والناسُ مرايا لبعضهم، بجلاء
في سلوكهم، نرى الخفاء والضياء
فما يخبّئ الإنسانُ في أسلوبه
يُقالُ بلا صوت، كأوضح نداء

والعلاقاتُ، مرايا لا ترحمُ
تكشف ما نغفو عنه ونتوهمُ
نور وظلّ فينا، وجها الحقيقة
بلا تزيين، ولا أيّ تَكلُّمُ

فلنقبل الدرسَ بوعيٍ وصبر
ولننظر في ذواتنا عبر الفكر
كي ننمو بصدق، ونرقى بفهم
لا دفاعًا بل طواعيةً للأثر

كل لقاءٍ، مرآة لما نُخفي
تكشفُ روحَك، وتُظهرُ ما تخفي
من صِدقك، من عمقك، من ذاتك
فلا تهرب من نور حقيقتك العفي

كالمال، تختبرنا الحياةُ بصدقها
تجردنا من زيفنا، تُظهرُ جوهرها
فمن نحن، ليس بما نُظهرهُ للعيان
بل بما نكونهُ عند الامتحان

الثروةُ ليست قيدًا، بل مرآة حُرّة
لمن رأى فيها ذاته مستبصرة
فلا تنكر ما تعكسه عليك الرؤية
بل اغتنم لحظة صدقٍ مُنيرة

وإن لم تُدعَ فلا تلحّ بالدخول
فالكرامةُ صمتٌ، والفهمُ عُقول
احترم حدودك، وإن ظننت القُرب
فبعض الأبواب، ليست لنا، ولن تكون

 

سرَّ الصمتِ

هواجسُ لا تنقضي، فيها الكِبَرُ انكسرْ
على جُروفِ الجهلِ، في بحرٍ غدا خَطَرْ
والروحُ تأبى أن تفيقَ من السُّدى
فتُفقدُ الكنـزَ الذي في العلمِ مُندَثرْ

واليقـينـاتُ سرابٌ خادعٌ، ينمحي
إذا هبّتْ رياحُ الدهرِ، وانكشفَ السَّتَرْ
ولا يدركُ سرَّ الكونِ في أوجِ العُلى
سوى قلبٍ تفتّحَ للجراحِ، وما انفطرْ

حقائقٌ، آلافُها، في الغيبِ مُحتجَبة
وراءَ صمتٍ ثقيلٍ، لا يُبوحُ ولا انتَصَرْ
محفوظةٌ في كهفِ وجدانٍ عميقٍ
لم تعبثِ الألسنُ بها، ولم يَطَلْها الخطرْ

من رحمِ التواضعِ يولدُ الفهمُ الجليّ
أمامَ أسرارٍ تحيطُ بنا كما القَدَرْ
ومن هشاشةِ النفسِ ينبثقُ العُلا
إذا تجلّى في الضميرِ المُستترْ

دروسُنا نُقِشَتْ بحبرِ التجربةِ الجسورْ
لا يقرأُ النقشَ سوى مَن بالنهى نظَرْ
منقوشةٌ في فُوَّهاتِ الوجعِ العميق
حيثُ الألمُ نَحَتَ الوعيَ واعتذرْ

أن نُبصِرَ دون حُكمٍ، أن نُصغيَ قبلَ قولْ
تلكَ الحكمةُ التي تُثمرُ فيمن اعتبَرْ
فالصمتُ يخلقُ للحقيقةِ مَوطناً
والجهلُ يمّحي حين يُنصَتُ للفِكَرْ

والخطأُ أستاذٌ كريمٌ لمن وعى
يَهدي إلى سُننٍ، تخفيها العِبَرْ
لكنه يُقصي الذي قد أغترَّ، أو
أعماهُ زيفُ الظنِّ، أو أغراهُ مَن كَفَرْ

تتّسعُ الآفاقُ في سَفرِ النفوسْ
حينَ يغوصُ المرءُ في ذاتِهِ البَشَرْ
ويكتشفُ كنوزَهُ المكنونةَ، إذْ
تُهديهِ تجاربُهُ إلى أسمى الدُّرَرْ

إنْ قبلنا أننا فانُونَ، انجلتْ
أبوابُ خلْدٍ من وراءِ المُنحَدَرْ
فمن يعِي أجنحتَهُ، يَسمُ بعُلوه
ويَحلِّقُ الحرُّ في أفقٍ قدِ ازدهَرْ

الحقائقُ التي لا يُفصِحُها البيانْ
تُشرقُ في أعماقِ وعيٍ قد نَضَرْ
ألغازُها سِرٌّ مقدَّسٌ، إذا
تجلّى، أذهلَ العقلَ وافتخَرْ

فالتواضعُ يخطُّ في أرضِ العلومْ
أخاديدَ نورٍ، زَرَعَ الفَهمَ والثَّمَرْ
وفي بساتينِ الوقارِ، نبتَتْ
زُهورُ وعيٍ، عطرُها لا يُنتَزَرْ

والأسرارُ التي حُفِظَتْ في القلوبْ
سَقَتْ نبتَ صبرٍ لا يلينُ ولا انكسرْ
وأنضجتْ ثمرَ السكونِ، بصبرِ مَن
أخفى يقينَهُ، ولم يَشْكُ ولم يَجُرْ

أن نعترفَ بجهلِنا، شرفٌ جليلْ
بهِ نلامسُ سرَّ عِلمٍ قد كَبُرْ
وفي اعترافِ النفسِ بعجزِ جناحِها
تحلّقُ الأرواحُ، وتبلغُ ما نَدَرْ

فالظاهرُ يُمزَّقُ، إنْ صدقْنا النَّظَرْ
وتنكشفُ الحقائقُ إن صدَقنا الخَبرْ
تُظهرُ الأكاذيبُ ما أخفَتْهُ طويلاً
فتنجلي من باطنِ العمقِ العِبَرْ

والرُّشدُ أنْ نصمتَ، إذا الكلمُ خبا
إذا غدا القولُ هراءً لا أثَرْ
فنمّي فيك سرَّ الصمتِ، تنجُ به
من قيدِ نفسٍ، يُحطّمها الهَذَرْ

 

مَقَامَ الصَّخْرِ

سَلِ الضِّيَاءَ الَّذِي فِي صَدْرِكَا  يَبْقَى وَيَزْدَانُ بِالْهُدَى وَالْفَضْلِ تِلْكَ مَسَاحَاتُ الْكَلَامِ مُؤَوَّلٌ  تَحْتَ الْحُرُوفِ ...

الأكثر رواجا