السبت، 25 أكتوبر 2025

نَغْمَةَ الإِحْسَاسِ

تَهِيـجُ فِي القَلْبِ أَشْوَاقٌ وَمَوْعِدُهَا
إِذَا تَجَلَّتْ بِلادٌ سِحْرُهَا أَخَذُ
تُنَادِي النَّفْسَ حَتَّى لَا تُفَارِقَهَا
فَفِي رُبَاهَا جَمَالٌ لَيْسَ يُفْتَقَدُ

هُنَا البَدِيعُ، وَهُنْدَسَتْهُ يَدٌ خَلَقَتْ
مِنَ الضِّيَاءِ وَمِنْ أَسْرَارِهِ بَلَدُ
وَهَاهُوَ الشِّعْرُ فِي مِضْمَارِهِ انْطَلَقَتْ
خُيُولُ فِكْرٍ عَلَى الأَسْمَاءِ تَعْتَمِدُ

سَيَرْسُمُ اللَّفْظُ تَارِيخًا يُجَدِّدُهُ
صَوْتُ الحُرُوفِ إِذَا مَا أَطْرَبَ النَّغَدُ
وَيُوقِظُ الحِسَّ مِصْبَاحٌ لَهُ وَمَضٌ
يَهِيمُ فِي اللَّفْظِ، وَالإِيقَاعُ مُتَّقِدُ

فَاقْرَأْ وَدَعْ قَلْبَكَ الْمَسْحُورَ مُنْصَرِفًا
نَحْوَ الجَمَالِ الَّذِي يَسْتَأْنِفُ الْخَلَدُ
فَهَذِهِ البِلادُ، سَيِّدَةُ الْمَحَافِلِ مَا
بِحُسْنِهَا بَلَدٌ فِي الأَرْضِ يُعْتَمَدُ

سَيَسْتَبِينَ لِمَنْ أَصْغَى تَفَرُّدُهَا
فِي كُلِّ بَيْتٍ يَجُودُ الحِسُّ وَالْأَدَبُ
تَسْرِي كَنَفْحَةِ رَبِيعٍ فِي مَسَالِكِهِ
فَيَرْتَوِي الْقَلْبُ إِنْ أَصْغَى وَإِنْ طَرِبُ

فِي نَغْمِهَا تُورِقُ الأَفْكَارُ بَاسِمَةً
وَيَرْتَقِي فِيهَا التَّصْوِيرُ وَالخَطَبُ
إِذَا تَدَفَّقَ مِنْهَا الشِّعْرُ مُنْسَكِبًا
هَزَّ المَشَاعِرَ وَالإِحْسَاسَ وَانْسَكَبُ

تَأْخُذُ اللُّبَّ تَفْتِنُهُ بِنَغْمَتِهَا
كَأَنَّهَا سِحْرُ بَيَانٍ فِيهِ يَنْجَذِبُ
وَيَسْتَفِيقُ بِهَا التَّارِيخُ مُبْتَهِجًا
كَأَنَّهُ فِي مَدَى أَصْدَائِهَا يَطِبُ

فَاقْرَأْ وَدَعْ نَبْضَكَ الْمَشْدُودَ مُنْصَرِفًا
نَحْوَ البَهَاءِ الَّذِي فِي حُسْنِهَا يَجِبُ
هُنَاكَ تَكْمُلُ مَعْنَاهَا وَتَبْتَدِئُ
قَصِيدَةٌ سِحْرُهَا فِي القَلْبِ يَعْتَلِبُ

فِي رُبَاهَا مِنَ الإِشْرَاقِ مُعْجِزَةٌ
يَهِيمُ فِي نُورِهَا البَصَرُ الَّذِي يَحْتَدُّ
وَفِي سَمَائِهَا تَبْقَى النُّجُومُ لَهَا
تُهْدِي المَسَافِرَ إِنْ أَعْيَاهُ مُعْتَمَدُ

تَفُوحُ فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْ رِيَاضِهَا
نَسَائِمٌ مِثْلَ عِطْرٍ فِي الدُّنَا يَسْتَبِدُّ
إِنْ قِيلَ مَهْدُ العُلَا قِيلَتْ هِيَ السَّبَبُ
فَمِنْ ثَرَاهَا نَمَا العِلْمُ الَّذِي يُحْمَدُ

تَرْنُو الجِبَالُ إِلَى الأُفْقِ ابْتِهَاجًا بِهَا
كَأَنَّهَا تَسْتَقِي مِنْ مَجْدِهَا الزَّهَدُ
وَيَبْقَى فِي كُلِّ جِيلٍ مِنْ بَنِيهَا صَدًى
يُجَدِّدُ الحُلْمَ إِنْ دَارَ الزَّمَانُ وَدُدُ

مَا ضَاعَ فِيهَا جَمِيلٌ قَدْ بَنَاهُ أُولُو
فَضْلٍ، وَمَا هَدَمَ التَّارِيخَ مُعْتَمِدُ
تَسْتَأْنِفُ المَجْدَ فِي خُطْوَاتِ سَيْرَتِهَا
كَمَا يُجَدِّدُ فَجْرَ الصُّبْحِ مُنْبَعِدُ

تَسْعَى إِلَى المَجْدِ لَا تَرْتَدُّ خُطْوَتُهَا
وَفِي المَسَافَاتِ يَبْقَى سَعْيُهَا أَبَدُ
تُعَلِّمُ العَالَمَ الْمَعْنَى الَّذِي ارْتَقَتِ
بِهِ البُطُولَاتُ إِذْ فِي صَوْتِهَا عَهَدُ

فِي كُلِّ صُبْحٍ تُرَتِّلُ نَجْمَ مَوْلِدِهَا
وَيَرْقُصُ الْفَجْرُ فَخْرًا حِينَ يَتَّقِدُ
وَفِي رِمَالِهَا تُخْفِي الحَدِيثَ لِمَنْ
يَسْتَنْطِقُ المَجْدَ، فَالتَّارِيخُ مُعْتَقِدُ

عَطَاؤُهَا سَاحِرٌ، لَا يَنْثَنِي كَرَمٌ
عَنْ كُلِّ مَنْ ضَاقَتِ الأَيَّامُ وَاتَّقَدُوا
وَفِي عُيُونِهَا الإِخْلَاصُ مُتَّقِدٌ
كَأَنَّهُ النُّورُ فِي الأَرْوَاحِ يَتَّحِدُ

تَحْيَا عَلَى وَعْدِهَا لَا تَنْثَنِي هِمَمٌ
مَا دَامَ فِي نَبْضِهَا تَارِيخُهَا يَخِدُ
وَسَوْفَ تَبْقَى عَلَى الدُّنْيَا مُفَاخِرَةً
مَا دَامَ فِي صَوْتِهَا التَّمْجِيدُ وَالْبَلَدُ

تَبْقَى عَلَى العَهْدِ لَا تَلْهُو وَلَا تَفِتُرُ
وَفِي مَدَاهَا عُلَا الأَيَّامِ تَعْتَمِدُ
إِنْ مَسَّهَا لَيْلُ تَارِيخٍ تَضِيءُ لَهُ
حَتَّى يُبَاحَ لَهُ فِي نُورِهَا رَغَدُ

وَتَسْتَفِيقُ عَلَى الأَحْلَامِ نَافِرَةً
كَأَنَّهَا الفَجْرُ لَا يُخْفِي لَهُ أَحَدُ
تَهْدِي البَصَائِرَ إِشْرَاقًا وَمَعْرِفَةً
فَيَغْتَدِي الْعِلْمُ فِي مَعْنَاهُ يَتَّقِدُ

تُرَبِّي الأَمْلَ فِي نَفْسِ الفَتَى فَطَرًا
حَتَّى يُصَيِّرَ مِمَّا حَلْمُهُ بَلَدُ
تَسْكُنُ المَجْدَ إِسْكَانًا وَتَحْرُسُهُ
كَأَنَّهَا مَلَكٌ فِي ظِلِّهِ سَعِدُوا

وَيَبْقَى فِي ذِكْرِهَا صَوْتُ الزَّمَانِ صَدًى
تَرْتَدُّ فِيهِ حُرُوفُ المَجْدِ وَالْجَدَدُ
فَاخْتِمْ بِهَا نَغْمَةَ الإِحْسَاسِ مُنْسَجِمًا
فَالشِّعْرُ فِيهَا بَدِيعُ السَّحْرِ وَالْخَلَدُ

 

الجمعة، 24 أكتوبر 2025

قَولٌ جَمِيلٌ

سَكَنَ السُّكُونُ فَجَالَ فِيهِ تَأَمُّلُ
وَسَرَى الضِّيَاءُ كَأَنَّهُ يَتَمَثَّلُ
وَتَنَفَّسَ الحِرفُ البَهِيُّ مَعَانِياً
فَتَفَتَّحَتْ فِيهِ الحُرُوفُ وَتَجْمُلُ

يُحَدِّثُ عَن صَبْرِ الحَكِيمِ وَعِزَّةٍ
وَعَنِ الزَّمَانِ وَكَيْفَ فِيهِ يُؤَمَّلُ
فَاقْرَأْهُ بِالعَقْلِ الرَّصِينِ فَإِنَّهُ
صَوتُ التَّجَارِبِ فِي الحَيَاةِ يُفَصَّلُ

هُنَالِكَ حِبرٌ فِي السُّطُورِ تَهَلَّلَا
وَصَوْتُ فِكَرٍ فِي المَعَانِي يُنْدِلُ
تُغَنِّي القَوَافِي فِي رُبَاهَا حِكْمَةً
وَيَفُوحُ مِنهَا الصِّدقُ حِينَ يُقَوَّلُ

فَخُذْ مِنْ سُكُونِ الحَرفِ نَبْضَ بَيَانِهِ
فَفِي الصَّمْتِ أَحْيَانًا كَلَامٌ يُجْمَلُ
وَدَعْ لِلقَصِيدِ مَقَامَهُ وَهُدُوءَهُ
فَفِيهِ جَمَالُ الحِلمِ حِينَ يُتَأَمَّلُ

سَيَجِدُ الفُؤادُ مَسَالِكًا مُتَنَزِّهًا
وَيَرَى الحَدِيثَ كَأَنَّهُ يَتَسَلْسَلُ
تَجُودُ المَعَانِي بِالحَقِيقَةِ نَاصِعًا
وَيَسْكُنُ فِيهَا مَا يُقَالُ وَيُفْعَلُ

فَهَذَا كَلَامٌ لِلحَيَاةِ مَعَانِقٌ
يُهَذِّبُ نَفْسًا وَالفُؤادُ مُؤَهَّلُ
فَتَأهَّبْ لِسَطْرٍ يَسْتَضِيءُ حِكايَةً
فَمَا بَيْنَ بَيتٍ وَالمَعَانِي مَوصِلُ

فَمَن طَابَ مَعدِنُهُ تَسَامَى نُورُهُ
وَمَا خَابَ مَغزَى فِعلِهِ المُتَأَمَّلُ
وَإِن زَلَّ قَومٌ فَالعُذُولُ كَثِيرُهُمْ
وَأَكْرَمُ مَن يَسمُو عَلَى مَن يَعَذِّلُ

يُقاسُ الفَتى فِي النَّائِبَاتِ وَرُبَّمَا
يَظَلُّ عَلَى حُكمِ العُقُولِ يُعَوَّلُ
تُرَبِّي اللَّيَالِي فِي الصُّلَابَةِ أَهلَهَا
فَيَبدو الحَليمُ وَقَلبُهُ يَتَجَمَّلُ

وَمَا كُلُّ مَجدٍ يُرتَجَى فِي طِرَافَةٍ
فَأَصْدَقُهُ مَجدٌ عَليهِ يُثَقَّلُ
إِذَا انصَرَفَ الدُّنْيَا لِغَيرِ مُرِيدِهَا
تَبَسَّمَ حُرٌّ وَالقَنَاعَةُ مَحصَلُ

وَتَبقَى لِذِي العَقلِ المُهَذَّبِ رِفعَةٌ
وَإِنْ قَلَّ مَا يَملِكْ فَهُوَ المُؤَمَّلُ
فَخُذْ خُلُقاً يَعلُو عَلَى كُلِّ نِقمَةٍ
فَذُو السِّيرَةِ البَيضاءِ لا يَتَبَدَّلُ

وَمَنْ خَالَطَ الأَيَّامَ عَقْلاً وَبَصْرَةً
رَأَى أَنَّ فِي طَيِّ الحُدُوثِ تَفَضُّلُ
وَلَا يَغْتَرِرْ ذُو الحِلمِ بِالبِشرِ إِنَّهُ
إِذَا جَاءَ دَهْرٌ بِالمَسَاءِ تَحَوَّلُ

تُصَاغُ المَعَالِي فِي صُمُوتٍ وَعِفَّةٍ
وَأَصْدَقُ مَنْ قَالَ الفِعَالَ المُفَضَّلُ
وَمَا نَفْعُ عِلْمٍ لَا يُرَاعِي أُصُولَهُ
وَلَا حِسَّ فِيهِ لِلعُقُولِ مُعَوَّلُ

فَخَيْرُ الفَتَى مَنْ لَمْ يُغَيِّرْ خُلُقَهُ
وَإِنْ نَالَ مِنْ دُنْيَا المَطَالِبِ أَجْزَلُ
وَإِنْ ضَاقَ صَدْرُ الحُرِّ فِي زَمَنِ الجَفَا
تَسَامَى وَقَالَ، الحِلْمُ أَجْمَلُ مَنْزِلُ

تُجَرِّبُهُ الأَيَّامُ حَتَّى إِذَا بَدَا
صَقِيلًا كَمَا يَبْدُو الحَدِيدُ المُصَقَّلُ
فَيَبْقَى لَهُ فِي كُلِّ دَهرٍ مَحَامِدٌ
وَفِي الخَلقِ ذِكرٌ لِلرَّجَاحَةِ يُجْمَلُ

وَيَبقَى صَدَى الحَرفِ الوَفِيِّ مُخَلَّدًا
يُغَذِّي رُبُوعَ القَلبِ حِينَ يُسَجَّلُ
وَيَصعَدُ مِثْلَ العِطرِ فِي أُفُقِ الرُّؤَى
فَيَعبُقُ فِيهِ الحِسُّ حِينَ يُتَأَمَّلُ

وَمَا الحُسنُ إِلَّا فِكرَةٌ مُتَجَذِّرٌ
إِذَا نُثِرَتْ فِي الحِسِّ قَامَتْ تُجْمِلُ
تُسَاقُ إِلَى الآذَانِ رَطْبَةَ نَغْمَةٍ
تُؤَنِّسُ مَنْ يَصْغَى وَفِيهِ تُظَلَّلُ

فَتُصْبِحُ كَالأَمْطارِ فِي صَيفِ نَفسِهِ
تُحَيِّيهِ حِينَ اللَّيلُ فِيهِ يَطَوَّلُ
وَيَسْرِي عَلَى أَلحَانِهَا نَبْضُ رُوحِهِ
فَيَحْيَا بِهَا مَنْ قَدْ تَرَاهُ يُعَقِّلُ

فَذَاكَ خِتَامُ القَوْلِ يَسْرِي نُورُهُ
كَمَا يَسْرِي الضِّيَاءُ إِذَا تَهَلَّلُ
فَتَسْكُنُ فِيهِ النَّفْسُ وَهْيَ مُهَذَّبَةٌ
وَيَسْمُو بِهَا قَولٌ جَمِيلٌ مُفَصَّلُ

 

الخميس، 23 أكتوبر 2025

رحيقَ الخيرِ

تاهَ الفؤادُ بأرضِ الحلمِ مُرتحِلاً
يَرْجُو الحقيقةَ في دُنيا يُداريها
يمضي، ويعلمُ أنَّ الدهرَ مُختلفٌ
كمْ غالَبَ النفسَ في نُعمى يُغريها

يَهوى السكونَ ولكنْ لا قرارَ لهُ
فالعمرُ ريحٌ، وموجُ الوقتِ يُعليها
كمْ أضلَعَ الفكرُ في دربٍ يُؤرِّقُهُ
حتى اهتدى للهدى، والنورُ يُهديها

قد علَّمتهُ خُطى الأيامِ حكمةَ مَن
يرنو لخيرٍ، ويُقصي عن مساويها
فاستيقظَ القلبُ من وَهْمٍ يُكبِّلُهُ
وراحَ يبني رُؤى المجدِ السَّوَاريها

حتى إذا ما تبدّتْ منهُ مُعتبَرٌ
خطَّ القريضَ، وأبدى ما يُناجيها
فاستقبلوها بصدقِ الودِّ، إنَّ بها
دُرَرَ المعاني، ومِفتاحَ المعاليها

تغدو الحروفُ نُجومًا في سَما طَرَبٍ
إذْ تستفيقُ المعاني في مغانيها
وتنثني نَغَماتُ الحُسنِ حالمةً
كالماءِ يُورِقُ إنْ طابتْ مجاريها

تُهدي القلوبَ سُكونًا في تأمُّلِها
وتستعيدُ الضياءَ في مآقيها
فالشعرُ بحرٌ عميقٌ لا قرارَ لهُ
تسمو المراكبُ إنْ صانت دَواليها

كمْ شاعرٍ فَتَنَ الإحساسُ وجْدَانَهُ
فأطلقَ الصدقَ أنغامًا يُغَنِّيها
يسري بنبضٍ خفيٍّ في خواطرِنا
كالفجرِ يُعلنُ أنَّ البدرَ باديها

فإذا قرأتَ الحروفَ الغُرَّ فاتحةً
فاجعلْ لقلبِكَ سمعًا في معانيها
تلكَ القصيدةُ روحُ الفكرِ أنشدَها
من وحيِ صدقٍ ونورٍ في مغانيها

فامضِ بنورِ الهدى ما دامَ مُقتَدِياً
فالنورُ يعلو إذا ما النّاسُ تُخفيها
ولا تُجاملْ وجوهًا زانَها خَدَعٌ
فالصدقُ أجملُ ما تبني مبانيها

واستغنِ باللهِ عن دُنيا تُغرِّرُ مَن
يلهو بسرابٍ، وأحلامٍ يُناجيها
واجعلْ رضاكَ بما قسمَ الإلهُ لكَ
فالنفسُ تُكرمُ إنْ تلقى مُناديها

كمْ من طموحٍ سَعى والدهرُ أرهقَهُ
حتى تهاوى، ولم تُجدِ مساعيها
وسالمِ القلبَ، إنَّ القلبَ مُنقَلَبٌ
ما دامَ في البِرِّ يُزكِّي أمانيها

فالعُمرُ ظلٌّ قصيرٌ في تَقلُّبِهِ
والحُسنُ يُخلَدُ إنْ طابت مبانيها
فاحفظْ لسانَكَ، إنَّ القولَ مُنزَلَقٌ
قد يُزهِقُ النفسَ إنْ ضاعت معانيها

فابحثْ عن الحقِّ إنْ ضلَّتْ براهِنُهُ
فالحقُّ تُحييه أرواحٌ تُحييها
ولا تُطعْ رغبةً تُغريكَ ناعِمَةً
فكمْ هوَتْ نفْسُ من أغوتْ أمانيها

واصبرْ على الدهرِ، إنَّ الصبرَ مُرتَفَقٌ
تسمو النفوسُ بهِ إنْ طالَ مُبديها
قد يرفعُ اللهُ مَن في الأرضِ مُتَّضِعاً
ويُهلكُ الكِبرَ إنْ علَّتْ دواهيها

واحفظْ ضميرَكَ، إنَّ القلبَ مِحرابُهُ
يصفو إذا طَهُرَتْ أسرارُ خافيها
ما نالَ مجدًا سوى مَن جاهدَتْ هممٌ
تبني المعالي ولا تخشى عواديها

والعزُّ شمسٌ إذا ما لاحَ في هممٍ
أغنى الفقيرَ، وإنْ أبدى تجافيها
فامضِ بثوبِ التُّقى تزهو بسيرتِهِ
فاللهُ أكرمُ مَن ترجُو نَواديها

هذي الحياةُ دروبٌ لستَ تُدركُها
إلّا إذا أوقدَ الإيمانُ مُجريها
إنْ ضاقَ صدرُكَ فاستَمسِكْ ببسمتِها
فالنورُ يزهرُ إنْ تَصْفُ المآتيها

واجعلْ من الصبرِ زادًا في تَقَلُّبِها
فالعزمُ يُنبتُ وردًا في نواحيها
قد تُخْفِي الليلةُ السوداءُ مبسِمَها
لكنْ يُضيءُ السَّنا حينًا دياجيها

وانظُرْ إلى الغدِ لا تيأسْ من أملٍ
فالحلمُ يُحيي الرُّؤى إنْ شئتَ تُحييها
واسقِ الوجودَ رحيقَ الخيرِ في عملٍ
يُبقي الجمالَ، ويُحيي مَن يُجاريها

تبقى الحقيقةُ نورًا لا يُطفِّئُهُ
مَوجُ الزمانِ، وإنْ نالَتْ أمانيها
فاختمْ بها الدربَ تسبيحًا وتأمُلَةً
تُزدانُ روحُكَ إذْ تسمو مبانيها

 

الأربعاء، 22 أكتوبر 2025

العفوِ الجميلِ

تمهَّلِ الفكرَ، إنّ الحرفَ إبحارُ
وفي المعاني خفايا تُبهِرُ النّارُ
فليسَ كلُّ كلامٍ حينَ ننطِقُهُ
يُفصِحُ الصّدقَ، أو تُرضيهِ أشعارُ

قد تُظهِرُ العينُ أسرارًا تُكَذِّبُها
قلبٌ يُناجي ويَطويهِ استِتارُ
تأنَّ في الحكمِ، لا تُفشي ملامحَ من
يُخفي وراءَ ابتسامِ الحزنِ أسرارُ

فالحلمُ زادُ فتىً ما خانَ منطقَهُ
ولا استباحَ بما لا يعلمُ النّاسَ دارُ
ومن تأمَّلَ في الأعماقِ معتبرًا
رأى الحقيقةَ تُجلى، وهيَ تِذكارُ

هُدِّئْ خطاكَ، فهذي الدربُ أَسرارُ
وفي الحروفِ صدى الأوجاعِ يُنهارُ
تسيرُ بينَ المعاني خطوتانِ هوىً
وحكمةٌ تنسجُ الأفكارَ تِذكارُ

هنا الصمتُ المجلّى في ترفِ الأسى
وهُنا القلوبُ، وما تخفيهِ تِذكارُ
كأنّ كلَّ حنينٍ حينَ نلمسُهُ
يبوحُ دونَ لسانٍ، ثمّ يحتارُ

خذْ من سكونِ الليالي درسَ نافذةٍ
تُريكَ أنَّ وراءَ الضوءِ أسرارُ
واقرأ بقلبٍ نقيٍّ ما تبوحُ بهِ
نفوسُ قومٍ كواهم صمتُهم نارُ

فكن رفيقًا إذا ما جئتَ تسألهُ
فالقلبُ يرهقُهُ طولُ التذكارِ
كم في الصدورِ جراحٌ لا يُداويها
غيرُ السكوتِ وصبرٌ فيهِ إيثارُ

كم من ضعيفٍ تَجَلّى حينَ محنتهِ
وصارَ صمتُهُ في الناسِ مِقدارُ
قد يبتسمُ ليُخفي خلفَ بسْمتهِ
ألمًا يُناضلُهُ ليلًا وإصرارُ

دعْ ما يخبِّئُهُ إنسانُ تجربَةً
فلكلِّ قلبٍ على الأيامِ أسرارُ
وانظرْ بعينِ رضا لا عينِ مُسئلةٍ
فالسترُ للمرءِ في الدنيا هوَ دارُ

كم من جراحٍ طواها الحزنُ في كبدٍ
ولم يُبدِ سرَّ لظاها الليلُ والنهارُ
يسيرُ صامتًا، والقلبُ محتدمٌ
لكنّهُ بينَ ضعفِ البوحِ جبّارُ

تكسو الملامحَ أستارٌ من ابتسمٍ
وفي الحنايا تساقى الدمعُ أنهارُ
كم خافقٍ ضاقَ بالأحزانِ فانفجرت
في مهجتِه من الأسى ألفُ إعصارِ

ما كلُّ صمتٍ رضا، فالبعضُ تحملهُ
رغماً ليُخفي بهِ وجعًا وأسرارُ
فاحفظْ ودادَكَ إنّ الودَّ مرهقةٌ
أحمالُهُ حينَ تُختارُ وتُختارُ

إذا تأمَّلتَ في الإنسانِ جوهرَهُ
رأيتَ في الصمتِ معنى الحُبِّ يَنهارُ
فليسَ ضعفًا سكوتُ المرءِ في شجنٍ
بلْ حكمةٌ تنسجُ الأعماقَ إبحارُ

قد يُوجِعُ القولُ قلبًا لا تُداويهِ
سِوى ابتسامٍ بهِ الإحسانُ يُختارُ
فاصمتْ لتُبصرَ في الآلامِ عِبرتها
فالصبرُ مصباحُ من يَسمو بهِ النّارُ

واختمْ حديثَكَ بالعفوِ الجميلِ فقدْ
تبقى الكرامةُ إن جاروا وتَنهارُ
من لم يُقَدّرْ خُطى الأرواحِ عارفَةً
ضلَّ الطريقَ، وكمْ ضلَّ السَّفارُ

 

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2025

كَلَامًا صَادِقًا

فِي زَمْنِنَا اضْطَرَبَتْ مَوَازِينُ الحِيَا
وَتَغَيَّرَ الإِحْسَانُ فِي نَفْسِ البَشَرْ
ضَاعَتْ مَعَالِمُ حُسْنِ فِعْلٍ طَيِّبٍ
وَتَبَدَّلَ الإِخْلَاصُ زَيْفًا وَالخَبَرْ

مَا عَادَ لِلعُقْلِ الرَّشِيدِ مَكَانَةٌ
إِذْ صَارَ يُخْفِتُ صَوْتَهُ خَوْفَ الضَّجَرْ
وَالْمَالُ صَارَ لِكُلِّ نَفْسٍ قِبْلَةً
تَسْعَى لَهُ وَتُبَاهِي النَّاسَ بِالدُّرَرْ

فَاقْرَأْ كَلَامًا صَادِقًا فِي نَغْمِهِ
يَشْكُو المَرَارَةَ وَالمَذَلَّةَ وَالكَدَرْ
قِصَصَ الحَيَاةِ سَتَرْسُمُ فِي حُرُوفِهِ
مَا غَابَ مِنْ خُلُقٍ وَمِنْ نَبْضِ البَصَرْ

هَذِي الحُرُوفُ تَئِنُّ فِي أَطْوَاقِهَا
مِنْ وَقْعِ دُنْيَا لَا تَرُوقُ وَلَا تَسُرْ
تَرْوِي الحَقَائِقَ فِي لِسَانِ نَبَاتِهَا
وَتُذِيبُ فِي نَبْضِ المَعَانِي مَا اسْتَتَرْ

فَاقْرَأْ بِقَلْبٍ لَا يُرِيدُ مُجَامَلًا
يَهْوَى الصَّدِيقَ وَيَجْتَنِبْ كِذْبَ العِبَرْ
فِي كُلِّ بَيْتٍ وَمْضَةٌ وَتَنَهُّدٌ
وَصَدَى حَنِينٍ فِي المَعَانِي يَنْتَشِرْ

سَتَرَى الحُرُوفَ كَنَبْعِ صِدْقٍ فَاتِرٍ
يَجْرِي عَلَى خَدِّ الزَّمَانِ كَمَا المَطَرْ
وَتُحِسُّ أَنَّ القَوْلَ بَاحَ بِسِرِّهِ
حِينَ اسْتَقَرَّ بِقَلْبِ صَادِقٍ نَظَرْ

قَدْ غَابَ صِدْقُ القَوْلِ إِلَّا نَادِرًا
وَتَبَدَّلَ الإِخْلَاصُ زَيْفًا فِي الخَبَرْ
وَتَرَى الوُجُوهَ تَبَسُّمًا مُتَصَنَّعًا
وَالقَلْبَ يَخْفِي فِي طِيَاتِهِ غَجَرْ

يَغْدُونَ فِي دُنْيَاهُمُ لِمَطَامِعٍ
وَيَبِيعُ كُلٌّ صَفْوَهُ طَمَعًا بِدِرْ
ضَاعَ الوَفَاءُ وَمَا بَقِيَ لِظَلِيلِهِ
فِي ظِلِّ هَذَا الزَّمْنِ إِلَّا كَالْأَثَرْ

مَنْ لِلْقُلُوبِ إِذَا تَغَشَّاهَا الأَسَى
وَتَبَدَّلَ النُّورُ المُضِيءُ إِلَى خَطَرْ؟
إِنْ لَمْ نُرَبِّ النَّشْءَ فِي قِيمِ الهُدَى
فَسَنَجْنِيَ الخُسْرَانَ فِي يَوْمِ الغَدَرْ

لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا سِوَى أَشْبَاحِهَا
تَرْقَى المَنَاصِبَ دُونَ جَهْدٍ أَوْ خَطَرْ
مَنْ جَاهَدُوا بِالعِلْمِ صَارَ نَصِيبُهُمْ
نَظَرَاتِ سُخْرِيَةٍ وَتَقْلِيبَ البَصَرْ

وَتَرَى الكَذُوبَ مُقَدَّمًا فِي قَوْمِهِ
يَجْنِي المَكَارِمَ كُلَّ يَوْمٍ وَالشَّهَرْ
إِنَّ العَدَالَةَ صَارَتِ المَحْدُودَ فِي
أَحْلَامِ مَنْ يَرْجُو الصَّلَاحَ وَمَنْ صَبَرْ

لَوْ أَنْصَفَ الإِنْسَانُ نَفْسَ نَفْسِهِ
لَتَغَيَّرَ التَّارِيخُ وَانْجَلَى الضَّجَرْ
لَكِنَّهُ يَمْضِي وَفِي أَعْمَاقِهِ
صَمْتُ الضَّمِيرِ وَنَارُ شَكٍّ تَسْتَعِرْ

فَلْيَصْحُ مَنْ غَفَلَتْ خُطَاهُ وَأَظْلَمَتْ
دُرُبُ الحَيَاةِ بِغَيْرِ نُورٍ أَوْ بَصَرْ
إِنَّ المَصَائِرَ لا تُرَاجِعُ خُطْوَةً
مَنْ ضَيَّعَ الأَيَّامَ يَحْصُدُ مَا غَبَرْ

عُدْ لِلسَّمَاحَةِ وَاتَّخِذْهَا مِعْطَفًا
يَحْمِيكَ مِنْ لَفْحِ العُدَاةِ إِذَا ظَهَرْ
وَاغْرِسْ بِقَلْبِكَ بَذْرَ حُسْنِ تَفَاؤُلٍ
فَاللُّطْفُ يَخْضَرُّ الحَيَاةَ إِذَا انْتَشَرْ

مَا ضَاعَ مَنْ جَعَلَ الحَقِيقَةَ نُصْرَةً
وَصَنَا مَعَالِمَهُ وَقَاوَمَ مَنْ غَدَرْ
فَاخْتِمْ كَلَامَكَ بِالثَّبَاتِ عَلَى الهُدَى
فَبِذَاكَ يَزْهُو الشِّعْرُ وَيَسْمُو مَنْ نَظَرْ

 

مَقَامَ الصَّخْرِ

سَلِ الضِّيَاءَ الَّذِي فِي صَدْرِكَا  يَبْقَى وَيَزْدَانُ بِالْهُدَى وَالْفَضْلِ تِلْكَ مَسَاحَاتُ الْكَلَامِ مُؤَوَّلٌ  تَحْتَ الْحُرُوفِ ...

الأكثر رواجا