الاثنين، 10 نوفمبر 2025

 خُطًى لِلْخَيْرِ

هُنَا نَبْسُطْ عُقُولًا فِي التَّأَنِّي
وَنَسْتَقْبِلْ مِنَ الْمَعْنَى ضِيَافُ
وَنَرْحَلْ فِي حَيَاةِ الْمَرْءِ صِدْقًا
عَلَى خُطُوَاتِ مَنْطِقِنَا سَلَافُ

وَنَسْأَلْ، هَلْ تَرَى مَاضٍ يُوَفِّي
لَنَا عُقَدًا أَفَاضَ بِهَا اكْتِشَافُ
أَمِ الدُّنْيَا تُنَاغِي ثُمَّ تَمْضِي
كَمَا يَمْضِي عَلَى الْأَعْطَافِ رِشَّافُ

فَتَأْتِي هَذِهِ الْأَبْيَاتُ سِفْرًا
تُفِيدُ النَّفْسَ، لَا فِيهَا اعْتِسَافُ
وَتَكْشِفُ فِي مَجَارِي اللَّفْظِ حِسًّا
سَمَا فِي دَرْجِهِ صِدْقٌ وَعْيَافُ

وَإِنَّ الذِّكْرَ لا يَسْتَكْمِلُ الْحَقَّ
إِذَا لَمْ تَقْتَفِ النَّفْسُ انْصِرَافُ
هُنَا نَبْدَأْ وَهَذَا فَجْرُ مَعْنًى
سَيُتْلَى ثُمَّ يَنْسَاحُ احْتِفَافُ

وَإِنَّ الشُّهْرَ يَنْقُضُ بَعْدَ يَوْمٍ
وَتَغْلِبُ فِي تَقَلُّبِهِ الْخُلَافُ
فَلَا تَغْتَرَّ بِالزَّخْرَفِ الْمُزَيَّا
فَزَخْرَفُهَا إِذَا انْكَشَفَ الْغُلَافُ

وَكُنْ لِلْحِلْمِ أَعْوَنَ فِي اتِّزَانٍ
فَإِنَّ الْحِلْمَ مِفْتَاحُ الضِّيَافُ
وَأَمْسِكْ نَفْسَكَ الْغَضْبَى فَإِنَّ
الـعُقُولَ إِذَا تَهَيَّجَهَا انْحِرَافُ

وَرُدَّ الشَّرَّ بِالإِحْسَانِ حَتَّى
يَكُونَ لَنَا مِنَ الإِحْسَانِ كَافُ
وَدَاوِ النَّفْسَ بِالتَّوْقِيرِ حَتَّى
يَكُونَ لَنَا مِنَ التَّوْقِيرِ كَافُ

وَإِنْ ضَاقَتْ بِكَ الدُّنْيَا فَقُلْ
بَصْــرَاحَةِ مُؤْمِنٍ، حَسْبِي كَفَافُ
وَلَا تَهْوَ الْفُضُولَ فَإِنَّ فِيهِ
لِمُسْتَنْجِي العُلَا دَرْبًا صِعَافُ

وَصُنْ أُذْنًاكَ عَنْ قِيلٍ وَقَالٍ
فَكَمْ ضَيَّعْنَ سَمْعًا مِنهُ خُطَّافُ
وَلَا تَجْعَلْ لِمُتَّكِئٍ عَلَيْكَ
سَبِيلًا فِي النُّفُوسِ لَهُ اعْتِسَافُ

وَإِنْ نَمَّتْ لَكَ الْأَلْسُنُ اقْتِصَارًا
فَصُمْتُكَ فِي الْمَكَارِهِ لَكَ عَافُ
وَحَاذِرْ مَكْرَ دُنْيَا لَا تُفَارِقْ
جَوَانِحَ مَنْ رَكَنْ لَهُمَا اعْلِيفَافُ

وَكُنْ لِلْخَيْرِ صَرْحًا لَا يُدَنِّسْ
هَشِيمًا فِيهِ أَعْتَابٌ وَسَجَّافُ
وَخُذْ بِالعَدْلِ دَوْمًا لَيْسَ يَرْضَى
لِمَالٍ أَوْ جَزَالٍ ثَمَّ عِسْفَافُ

وَغُضَّ الطَّرْفَ عَنْ دُنْيَا تُجَرِّدْ
مِنَ الْمَعْنَى كَمَا يَنْشَقُّ أَزْيَافُ
فَإِنَّ السَّيْرَ يَخْتَزِلُ الَّذِي 
نَحْـنُ نَحْلُمُ ثُمَّ يَنْفَلِتُ الرِّدَافُ

فَهَا نَحْنُ اقْتَطَفْنَا زَهْرَ حِكْمًا
وَصُغْنَا مِنْ رَسَائِلِهَا قِطَافُ
وَمَرَّتْ فِي مَسَالِكِنَا لَيَالٍ
تُهَذِّبُ فِي الْمَعَانِي ثُمَّ تَصْدَافُ

وَأَلْقَيْنَا عَلَى الدُّنْيَا سُؤَالًا
فَأَوْجَبَنَا بِصِدْقِ الْبَحْثِ إِنْصَافُ
وَحَاوَلْنَا نُقَرِّبُ فِي خُطَانَا
لِنَبْقَى فِي اخْتِصَارِ الْعُمْرِ لُطَّافُ

وَنَاَدَانَا رُجُوعٌ لِلْمَعَالِي
فَمَا أَجْمَلْ مَسِيرًا فِيهِ إِنْحَافُ
وَأَشْرَقَ فِي طَوِيَّتِنَا ضِياءٌ
تَجَلَّى فِي خُطًى لِلْخَيْرِ إعْطَافُ

وَسِرْنَا فَوْقَ أَعْشَابِ التَّأَنِّي
نُجَدِّدُ فِي الْمَدَى سِلْكًا وَآلافُ
فَهَذَا خَطْوُنَا خُتِمَتْ مَعَانٍ
وَفُتِحَ فِي غَدٍ لِلرُّشْدِ أَلْفَافُ

 

الأحد، 9 نوفمبر 2025

قِمَّةُ العَلْياء

قَدْ يَسْكُنُ الجُرْحُ في صَدْرِ المُعَذَّبِ، لَكَنْ
لا يَنْطَفِي الضَّوْءُ إِنْ صَانَ الفُؤادُ وَفَاء
وَقَدْ نُقابِلُ فِي الأَيّامِ مُنْتَفِعًا
يَبِيعُ وَصْلًا، وَمَنْ يَهَبُ المَحَبَّةَ بَذْلاء

وَمَا يَزِنُ العُهْدَ إِلَّا مَنْ تَجَرَّدَ مِنْ مَجْرَى
حِسْبَانِ رَدِّ الثَّمَنِ المُرْتَجى وَالجَزاء
تَبْدُو الطِّباعُ كَما الماءِ الَّذي انْكَشَفَت
مَجْرَاهُ، فَيَنْجَلِي مَنْ قالَ قَوْلًا وَفَعَلاء

والذَّوْقُ يَرْتَفِعُ المَقْدارُ فَوْقَ شَخَصٍ
وَيَنْزِلُ المَقْدارُ عِنْدَ سُقُوطِ الأَنْواء
لا تَسْتَمِدَّ صِفاتِ النَّفْسِ مِنْ مِحْنةٍ
بَلْ فِي التَّسَامِي يَتَرَبَّى قِمَّةُ العَلْياء

وهَكذا نَفْتَحُ الأَبْوابَ مُشْرَعَةً
ليَبْدَأُ مِنَ الجَمْرِ الَّذي احْتَرَقَ اخْتِلاء
فَلْنَدْخُلِ الشِّعْرَ مِنْ بَابٍ يُهَيِّئُنَا
لِسِفْرِ نَفْسٍ يُرِيدُ الحَقَّ، لا المِراء

تِلْكَ الشُّؤونُ الَّتي يَبْقَى لَها أَثَرٌ
يَسْري مَعَ الرِّيحِ لا يَبْلى وَلا يَبْتالا
وَالنَّفْسُ أَوسَعُ مِنْ أَوْجاعِها، فَلَهَا
دَرْبٌ إِذَا ضَاقَ ذو الأَنْفاسِ اتَّسَالا

مَا ضَرَّنِي مَنْ أَرَى أَسْقَطْتُ رِفْدِيَ في
كَفَّيْهِ، حَسْبي أَرى مِقْدارَ ما أَعْطالا
وَالكَفُّ تُبْصِرُها الأَيّامُ عَارِيَةً
فَتَنْجَلِي كاشِفَاتٍ ما الَّذي أَغْفالا

لَنْ أَسْأَلَ الدَّهْرَ إِنْ صَافَى أَوِ انْقَلَبَا
الرِّفْقُ دَيْدَنُ مَنْ فَوْقَ المُرُوءَةِ صالا
فَمَنْ يَرُدُّ جَميلًا عِنْدَ مَنْزِلَةٍ
أَكْبَرْتُهُ، وَالَّذي يَنْكُصْ فَقَدْ خَالَا

وَالقَلْبُ يَعْرِفُ أَبْوابًا وَمَفْتَاحَهَا
صِدْقُ النَّوَايَا، وَذُو زَيْفٍ لَهُ أَقْفالا
وَإِنْ بَقُوا أَمْسِ مِنْهُمْ بَعْضُ أَلْسِنَةٍ
تَرْمِي خُطَاكَ، فَمَا ضَرَّتْكَ أَقْوالا

لَا أَعْتِبُ العُمْرَ إِنْ وَلَّتْ مَسَارِحُهُ
فَالعُمْرُ يَجْرِي وَيَسْتَجْلِي لَنَا الحَالَا
فَالدَّهْرُ يَسْحَبُ أَوْشَابًا وَيَكْشِفُهَا
حَتَّى تَرَى فَرْقَ مَنْ جَلَّى وَمَنْ خَالَا

وَأَعْجَبُ النَّاسِ مَنْ صَانَ العُهُودَ، وَمَنْ
لَمْ يَنْدَفِعْ حِينَ يَجْدِي الصَّبْرُ إِقْبَالَا
لَوْ لَمْ نَذُقْ مَرَّ بَعْضِ النَّاسِ مَا وَلَدَتْ
فِينَا التَّجَارِبُ تَفْرِيقًا وَوَصَّالَا

هَذِي الوجُوهُ إِذَا ما قُدْتَ عَاطِفَةً
تَلْقَى الَّذِي فِي دُرُوبِ النَّفْعِ أَوْغَالَا
وَلَا تَقِفْ عِنْدَ مَنْ ضَيَّعْتَ صُحْبَتَهُ
قَدْ يَلْتَقِي في غَدٍ قَلْبٌ وَمَنْزَالَا

فَاخْتَرْ مَسَارَكَ مَنْزُوعًا مِنَ الزَّهْوِ، لَا
تُفْتِنْكَ نَفْسٌ إِذَا أَلْبَسَتْ أَقْنَالَا
وَاسْلَكْ طَرِيقًا بِهِ تُرْجَى نَتَائِجُهُ
تَجْنِي بِهِ الطُّهْرَ إِنْ نَالَتْكَ أَثْقَالَا

قَدْ يَنْثَنِي الصَّوْتُ فِي صَدَى نَفَسٍ
تَبْقَى المَعَانِي على الأَرْواحِ أَنْغَامَا
وَيَبْقَى الحَديثُ إذا مَرَّتْ مَواقِفُهُ
يَسْتَثْمِرُ الذِّكْرَ يَنْسُجُ لِلْهَوَى قَامَا

وَيَبْقَى لِلنَّفْسِ مَا جَرَّبْتَ مِنْ عِبَرٍ
تَحْفَظُ مِيزَانَهَا إنْ أَغْلَقَ الدَّهْرُ أَبْوَابَا
فَاحتَفِظِ الآنَ بِالمَعْنَى الَّذِي وُلِدَتْ
مِنْهُ القَوافِي فَأَثْرَى صَوْتُهَا العَامَا

وَاَجعَلْ لِحَسْبِكَ تَأْوِيلًا تُقَوِّمُهُ
فِي السَّيْرِ بَيْنَ البَرَارِي رُؤْيَةً سَامَا
فَمَنْ تَسَامَى عَلَى غَبْنِ الوُقُوعِ بِهِ
نَالَ الَّذِي مَا يَنَالُ النَّاسُ أَيَّامَا

وَإِنْ أَشَاحَتْ رِياحُ الخَيْبَةِ اِمْتَثَلَتْ
نَفْسِي لِحِكْمَتِهَا تَمْضِي وَلَا تَامَا
فَارْقُبْ طُيُوفَكَ فِي مِرآتِ مَفْهُومِهَا
تَرْقَى، فَتَشْهَدُ أَنَّ الشِّعْرَ قَدْ لَامَا

 

الخميس، 6 نوفمبر 2025

التَّجَدُّدِ الْأَبَدِيِّ

فِي رِحْلَةِ الْعُمْرِ نَمُرُّ بِمَنْعَطَفَاتٍ كَثِيرَةْ
وَنَعْبُرُ دُرُوبًا وَعِرَةً وَأُخْرَى يَسِيرَةْ
نَسْقُطُ أَحْيَانًا وَنَنْهَضُ مِنْ جَدِيدٍ
فَالْحَيَاةُ مَدْرَسَةٌ لِلنَّفْسِ الصَّبُورَةْ

وَمَا بَيْنَ الْيَأْسِ وَالْأَمَلِ تَتَأَرْجَحُ الْخُطُواتُ
وَتَتَصَارَعُ فِي الْقَلْبِ الْهَوَاجِسُ وَالثَّبَاتُ
لَكِنَّ مَنْ يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ جَذْوَةَ رَجَاءٍ
يَجِدُ فِي كُلِّ ظَلَامٍ فَجْرًا لَهُ آتٍ آتُ

تَعَالَ نَسْبَحْ فِي بِحَارِ الْمَعَانِي الْعَمِيقَةْ
وَنَقْطِفْ مِنْ بَسَاتِينِ الْحِكْمَةِ ثِمَارًا أَنِيقَةْ
فَكُلُّ بَيْتٍ هُنَا نَافِذَةٌ نَحْوَ الضِّيَاءِ
وَكُلُّ كَلِمَةٍ جِسْرٌ إِلَى حَقِيقَةٍ رَقِيقَةْ

سَتَسْمَعُ فِي الْأَبْيَاتِ نَبْضَ الْحَيَاةِ الدَّافِقَا
وَتَلْمَسُ فِي السُّطُورِ إِحْسَاسًا صَادِقَا
قِصَّةُ كُلِّ إِنْسَانٍ يَبْحَثُ عَنْ مَرْفَإٍ
وَيَزْرَعُ فِي الْأَرْضِ الْجَدِيدَةِ حُلْمًا رَائِقَا

يُزْهِرُ الرَّجَاءُ كَبُرْعُمِ شُبَاطٍ فِي الْغُصُونِ
بَوَادِرُ النُّورِ بَعْدَ انْسِدَادِ الدُّرُوبِ وَالْمَتُونِ
وَعْدٌ بِأَنَّ الْغَرْسَ يَنْمُو وَيَعْلُو شَامِخًا
حَتَّى وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ بَعِيدَةِ الْمَكْنُونِ

هُنَاكَ فِي الْأُفُقِ الْبَعِيدِ تَلُوحُ أَضْوَاءٌ خَفِيَّةْ
تَهْمِسُ لِلْقَلْبِ الْمُتَعَبِ، لَا تَزَالُ الْفُرْصَةُ حَيَّةْ
فَكُلُّ نِهَايَةٍ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا بِدَايَةً
وَكُلُّ سُقُوطٍ يُعَلِّمُ النَّفْسَ كَيْفَ تَكُونُ قَوِيَّةْ

الْمَسَافَاتُ الطَّوِيلَةُ لَا تُخِيفُ الْعَزْمَ الصَّادِقَا
وَالْجِبَالُ الشَّامِخَاتُ لَا تَصُدُّ مَنْ كَانَ وَامِقَا
إِنَّ الْإِصْرَارَ يَصْنَعُ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ مَمَرًّا
وَيُحَوِّلُ الْحُلْمَ الْبَعِيدَ حَقِيقَةً وَبُرُوقَا

يُزْهِرُ الأَمَلُ كَالبُرْعُمِ فِي شُبَاطِ نَضِيرْ
بَشَائِرُ بَعْدَ دَرْبٍ مُوصَدٍ وَعَسِيرْ
وَعْدٌ بِأَنَّ الشَّجَرَ الْيَانِعَ قَدْ يَزْدَهِرْ
حَتَّى وَلَوْ غُرِسَ فِي تُرْبَةِ الْمَنْفَى الْكَبِيرْ

وَمَا الْحَيَاةُ سِوَى دَوْرَاتِ تَجْدِيدٍ عَجِيبَةْ
تَنْبُتُ مِنْ رَمَادِ الْمَاضِي بُذُورٌ طَيِّبَةْ
وَيَنْبَثِقُ الضَّوْءُ مِنْ أَعْمَاقِ لَيْلٍ دَامِسٍ
لِيَرْسُمَ لِلْغَدِ الْآتِي طُرُقًا مُسْتَطَابَةْ

فَلَا تَيْأَسْ إِذَا مَا هَبَّتِ الرِّيحُ عَلَيْكَ
وَزَلْزَلَتْ أَرْضُ الْأَحْلَامِ تَحْتَ قَدَمَيْكَ
فَكُلُّ عَاصِفَةٍ تَمْضِي وَتَتْرُكُ فِي الْفَضَاءِ
فُسْحَةً لِلشَّمْسِ كَيْ تَبْسُطَ نُورًا حَوْلَيْكَ

وَكَمْ جَذْرٍ تَشَبَّثَ فِي الصُّخُورِ الصُّلْبَةِ
وَشَقَّ طَرِيقَهُ رَغْمَ الظُّرُوفِ الصَّعْبَةِ
لِيُثْبِتَ أَنَّ إِرَادَةَ الْحَيَاةِ إِذَا انْدَفَعَتْ
تَصْنَعُ مِنَ الْمُحَالِ مَعَاجِزًا مُذْهِلَةْ

فَأَصْغِ بِقَلْبِكَ قَبْلَ سَمْعِكَ لِلْكَلَامِ
وَدَعْ رُوحَكَ تَرْقُصُ مَعَ إِيقَاعِ النَّظَامِ
فَهَذِهِ رِحْلَةٌ فِي دَوَاخِلِ الْوُجُودِ
حَيْثُ الْأَمَلُ يَتَفَتَّحُ كَالْوَرْدِ فِي الْأَكْمَامِ

فَلْتَتَجَذَّرْ فِي الثَّرَى مَهْمَا تَقَلَّبَتِ الْفُصُولُ
وَلْتَنْتَصِبْ شَامِخًا رَغْمَ اشْتِدَادِ الْخُطُوبِ
فَالنَّخْلَةُ الْعَالِيَةُ تَصْمُدُ أَمَامَ الْعَوَاصِفِ
وَتُثْمِرُ طَيِّبًا رَغْمَ جَفَافِ السُّهُولِ

الْغُرْبَةُ لَيْسَتْ سِوَى مَحَطَّةٍ فِي رِحْلَةِ الْوُجُودِ
وَالتَّشَتُّتُ قَدْ يَكُونُ بِدَايَةَ اللِّقَاءِ الْمَنْشُودِ
فَكَمْ مِنْ بَذْرَةٍ طَارَتْ بَعِيدًا عَنْ مَنْبَتِهَا
لِتَجِدَ فِي التُّرْبَةِ الْجَدِيدَةِ خَيْرَ مَوْعُودِ

فَهَكَذَا تَسْتَمِرُّ رِحْلَةُ الْإِنْسَانِ الْمُبْدِعِ
يَزْرَعُ فِي كُلِّ أَرْضٍ حُلْمًا مُتَرَفِّعِ
لَا تُثْنِيهِ الْمَسَافَاتُ عَنْ مَقْصَدِهِ الْأَسْمَى
وَلَا تَكْسِرُهُ الْعَوَاصِفُ مَهْمَا كَانَتْ تَفْزَعِ

وَإِنْ تَبَدَّلَتِ الْأَمْكِنَةُ وَالْوُجُوهُ مِنْ حَوْلِهِ
فَجَوْهَرُ الْإِنْسَانِ يَبْقَى ثَابِتًا فِي أَصْلِهِ
شَجَرَةٌ حَمَلَتْ جُذُورَهَا إِلَى آفَاقٍ بَعِيدَةْ
لِتَنْشُرَ أَغْصَانَهَا فِي سَمَاءٍ جَدِيدَةْ حَوْلِهِ

فَلْنَحْتَفِ بِالْأَمَلِ الَّذِي يُزْهِرُ فِي الصُّدُورِ
وَنُضِيءُ شُمُوعَ الْإِيمَانِ فِي لَيْلِ الدُّهُورِ
فَمَا دَامَ الْقَلْبُ يَنْبِضُ بِالْحُبِّ وَالْعَطَاءِ
فَسَتَظَلُّ الْحَيَاةُ تَتَجَدَّدُ مَعَ الشُّرُوقِ وَالْبُدُورِ

وَلْتَكُنْ كُلُّ نِهَايَةٍ بِدَايَةً لِعَهْدٍ جَدِيدٍ
وَكُلُّ وَدَاعٍ مَوْعِدًا لِلِقَاءٍ سَعِيدٍ
فَالْكَوْنُ يَدُورُ فِي دَوَائِرِ التَّجَدُّدِ الْأَبَدِيِّ
وَمَا كُلُّ غُرُوبٍ إِلَّا وَعْدٌ بِفَجْرٍ وَلِيدٍ

 

بزوغ الأمل

فـي رِحْلَةِ العُمْرِ نَمْضِي بَيْنَ مُنْعَطَفِ
وَنَعْبُرُ الدَّرْبَ بَيْنَ السَّهْلِ وَالوَجِفِ
نَسْقُطُ أَحْيَانًا وَنَنْهَضُ بِالعَزِيمَةِ
بَعْدَ دَرْسٍ مِنَ الصَّبْرِ وَمِنْ شَغَفِ

تَتَرَجَّحُ الخُطُواتُ بَيْنَ يَأْسٍ وَرَجَا
وَتَصُولُ فِي القَلْبِ جَذْوَتُهُ بِلا خَلَفِ
مَنْ يَحْمِلُ النُّورَ فِي رُوحٍ مُشَعْشَعَةٍ
يَجِدْ ضِيَاءَ الصَّبَاحِ وَإِنْ طَالَ الدُّجَى العَصِفِ

تَعَالَ نَسْبَحْ بِأَعْمَاقِ البِحَارِ مَعًا
وَنَجْنِ مِنْ بُسْتَانِ الحِكْمَةِ الثِّمَارَ
فَكُلُّ بَيْتٍ سَيَقْضِي لِلضِّيَاءِ سَبِيلاً
وَكُلُّ كَلْمَةٍ جِسْرٌ يُزِيلُ السِّتَارَ

سَتَسْمَعُ الأُذُنُ الحَيَاةَ بِدَفْقِهَا المُلِحِّ
وَتَلْمَسُ السُّطُورُ صِدْقَ الإِحْسَاسِ وَالنَّارَ
قِصَّةُ كُلِّ فَتَىً يَبْغِي مَرَافِئَ أَمْنٍ
وَيَزْرَعُ الحُلْمَ فِي الأَرْضِ لِيَجْنِيَ خَيْرَ مَا صَارَ

 يُزْهِرُ الرَّجَاءُ كَبُرْعُمٍ فِي الغُصُونِ
بَوَادِرُ النُّورِ بَعْدَ اليَأْسِ وَالإِحْجَامِ
وَعْدٌ بِأَنَّ الغِرَاسَ سَوْفَ يَرْتَقِي
وَإِنْ نَمَا فِي بِلَادِ البُعْدِ وَالأَوْهَامِ

هُنَالِكَ الأُفُقُ البَعِيدُ يُرِيكَ ضِيَاءً
يُهَمْسُ لِلْقَلْبِ: لَا تَيْأَسْ مِنَ الأَيَّامِ
فَكُلُّ نِهَايَةٍ تَحْوِي بِدَايَةَ صُبْحٍ
وَكُلُّ سَقْطَةٍ تُعَلِّمُ كَيْفَ نَقْوَى بِالعَزْمِ التَّامِ

لَنْ يُرْعِبَ العَزْمَ الصَّادِقَ طُولُ مَسَافَةٍ
وَلَنْ تَرُدَّ الجِبَالُ الشُّمُّ عَنْهُ سُؤَالَا
إِنَّ الإِصْرَارَ يَجْعَلُ مِنْ مُسْتَحِيلٍ مَمَرًّا
وَتُصْبِحُ الأُمْنِيَاتُ البَعِيدَةُ حَقًّا وَوَصَالَا

يُزْهِرُ الأَمَلُ كَبُرْعُمٍ فِي شُبَاطَ مُضِيئًا
بَشَائِرُ تَلْبَسُ ثَوْبَ الجَدِيدِ جَمَالَا
وَعْدٌ بِأَنَّ نَمَاءَ الشَّجَرِ اليَانِعِ قَدْ
يُدْرِكُ مُرْتَقَبًا وَإِنْ غُرِسَ المَنْفَى وَأَطَالَا

وَمَا الحَيَاةُ سِوَى أَدْوَارِ تَجْدِيدٍ وَعَوْدِ
تَنْبُتُ مِنْ رَمَادِ الأَمْسِ بُذْرَةُ الأَمْجَادِ
وَيَنْفَجِرُ الضِّيَاءُ المُبْهِجُ مِنْ عُبَابِ الدُّجَى
لِيَرْسُمَ الغَدَّ بِالأَنْوَارِ وَالإِسْعَادِ

فَلَا تَقْنَطْ إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُ العَوَاصِفِ
وَزُلْزِلَتْ أَرْضُ الآمَالِ تَحْتَ الأَجْيَادِ
فَكُلُّ عَاصِفَةٍ تَمْضِي وَتَتْرُكُ فُرْجَةً
لِلشَّمْسِ تَبْسُطُ نُورًا دُونَ مِيعَادِ

وَكَمْ جَذْرٍ تَمَسَّكَ بِالصَّفَاءِ الصَّخْرِ
وَشَقَّ فِي المَسَالِكِ رَغْمَ كُلِّ عُسْرِ
لِيُبْصِرَ العَالَمِينَ بِأَنَّ عَزْمَ الحَيَاةِ
إِذَا تَبَدَّى صَنَعَ مِنْ مُحَالٍ مُعْجِزَ السِّرِّ

فَأَصْغِ القَلْبَ قَبْلَ الأُذْنِ لِلْكَلِمَاتِ
وَدَعِ الرُّوحَ تُرَاقِصُ نَغْمَةَ الشِّعْرِ
فَهَذِهِ رِحْلَةٌ فِي أَعْمَاقِ كَوْنٍ مُبْهَمٍ
يَتَفَتَّحُ الأَمَلُ الوَرْدِيُّ فِي كُلِّ أَمْرِ

فَاسْتَقْرِرِ الجَذْرَ مَهْمَا تَقَلَّبَ حَالُ الفُصُولِ
وَاصْعَدْ إِلَى الذُّرَى رَغْمَ اشْتِدَادِ الخُطُوبِ
فَالنَّخْلَةُ العَالِيَةُ تَصْمُدُ أَمَامَ الهَوَاجِرِ
وَتُثْمِرُ الطِّيبَ رَغْمَ جَدْبِ كُلِّ مَغْرُوبِ

وَلْتَكُنْ كُلُّ خِتَامٍ بِدَايَةً لِزَمَانٍ جَدِيدِ
وَكُلُّ فِرَاقٍ مَوْعِدًا لِقَاءٍ بِحُبِّ
فَالْكَوْنُ فِي دَائِرِ التَّجْدِيدِ أَبَدًا يَدُورُ
وَكُلُّ غُرُوبٍ وَعْدٌ بِفَجْرٍ قَرِيبِ

 

نَبْضُ الحُبِّ

فِي رِحْلَةِ العُمْرِ نَمُرُّ يَوْمَنَا بِالمُنْعَطَفَاتِ
وَنَعْبُرُ الدَّرْبَ بَيْنَ وَعْرٍ وَبَيْنَ السَّهْلَاتِ
نَسْقُطُ أَحْيَانًا وَنَنْهَضُ بِالعَزِيمَةِ بَعْدَمَا
عْلَمَتْنَا الحَيَاةُ دُرُوسَ الصَّبْرِ المُضِيَّاتِ

وَتَتَرَجَّحُ الخُطُواتُ بَيْنَ يَأْسٍ وَرَجَاءِ
وَتَصُولُ الحوَاسُ فِي الفُؤَادِ بِإِصْرَارِهِ الوَضَّاءِ
لَكِنَّ مَنْ يَحْمِلُ الجَذْوَةَ المُشْعِلَةَ لَدُيهُ
يَجِدْ ضِيَاءَ الصَّبَاحِ وَإِنْ طَالَ الدَّجَى العَمْيَاءِ

تَعَالَ نَسْبَحْ فِي البِحَارِ العَمِيقَةِ بِالمَعَانِي
وَنَجْنِ مِنْ بُسْتَانِ الحِكْمَةِ الثِّمَارَ اليَانِعَهْ
فَكُلُّ بَيْتٍ نَافِذَةٌ تَقُودُنَا لِضِيَاءٍ
وَكُلُّ كَلِمَةٍ جِسْرٌ إِلَى الحَقِيقَةِ متوَاضِعَهْ

سَتَسْمَعُ الأُذُنُ نَضَا الحَيَاةَ بِدَفْقِهَا المُلِحِّ
وَتَلْمَسُ السُّطُورُ صِدْقَ الإِحْسَاسِ فِي المَقر
قِصَّةُ كُلِّ فَتَىً يَبْغِي مَرَافِئَ أَمْنِهِ
وَيزْرَعُ الحُلْمَ فِي التُّرْبِ الجَدِيدَةِ 

يُزْهِرُ الرَّجَاءُ كَبُرْعُمِ شُبَاطٍ فِي الغُصُونِ
بَوَادِرُ النُّورِ بَعْدَ اليَأْسِ وَالإِحْجَامِ
وَعْدٌ بِأَنَّ الغِرَاسَ يَرْتَقِي فِي عُلْيَةٍ
وَإِنْ نَمَى فِي بِلَادِ البُعْدِ وَالإِبْهَامِ

هُنَالِكَ الأُفُقُ البَعِيدُ تُرِيكَ ضِيَاءً خَفِيَّا
يُهَمْسُ لِلْقَلْبِ، لَا تَيْأَسْ فَمَا الْفُرْصَةُ إِلَّا حَبهْ
فَكُلُّ نِهَايَةٍ تَحْوِي بِدَايَةً مُشْرِقَةً
وَكُلُّ سُقْطَةِ تَعْلَمُ النَّفْسَ كَيْفَ تَكُونُ قَوِيَّهْ

لَنْ يُرْعِبَ العَزْمَ الصَّادِقَ مَسَافَةٌ طُولَى
وَلَنْ يَرُدَّ الجِبَالُ الشَّمَّاءُ عَنْهُ سُولَى
إِنَّ الإِصَارَةَ تَجْعَلُ مِنْ مُسْتَحِيلٍ مَمَرَّا
وَتُصْبِحُ الأَمْنِيَةُ البَعِيدَةُ حَقَّا وَوُصْلَى

يُزْهِرُ الأَمَلُ كَبُرْعُمٍ بِشُبَاطَ مُشْرِقَا
بَشَائِرُ تَلْبَسُ بُرْدَ الجَدِيدِ وَتَعْلَقَا
وَعْدٌ بِأَنَّ نَمَاءَ الشَّجَرِ اليَانِعِ قَدْ
يُدْرِكُ مُرْتَقَبًا وَإِنْ غُرِسَ المَنْفَى وَأُخْرِقَا

وَمَا الحَيَاةُ سِوَى أَدْوَارِ تَجْدِيدٍ وَرَدْ
تَنْبُتُ مِنْ رَمَادِ الأَمْسِ بُذْرَةُ الأَمْجَادِ
وَيَنْفَجِرُ الضِّيَاءُ المُبْهِجُ مِنْ عُبَابِ الدُّجَى
لِيَرْسُمَ الغَدَّ بِالأَنْوَارِ وَالإِسْعَادِ

فَلَا تَقْنَطْ إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُ عَاصِفَاتِ
وَزُلْزِلَتْ أَرْضُ الآمَالِ تَحْتَ الخَطَوَاتِ
فَكُلُّ عَاصِفَةٍ تَمْضِي وَتَتْرُكُ فُرْجَةً
لِلشَّمْسِ تَبْسُطُ فِيهَا نُورَهَا وَتنَايَاتِ

وَكمْ جَذْرٍ تَمَسَّكَ بِالصَّفَاءِ الصَّخْرِ
وَقَدْ شَقَّ المَسَالِكَ رَغْمَ كُلِّ مُعَسْرِ
لِيُبْصِرَ العَالَمِينَ بِأَنَّ عَزْمَ الحَيَاةِ إِذَا
ابْتَدَرَتْ أَنْوَارُهُ صَنَعَتْ مِنَ المُحَالِ مُعَجْزَا

فَأَصْغِ القَلْبَ قَبْلَ الأُذْنِ لِلْكَلِمَاتِ
وَدَعِ الرُّوحَ تُرَاقِصُ نَغْمَةَ النِّظَامِ
فَهَذِهِ رِحْلَةٌ فِي أَعْمَاقِ كَوْنٍ مُبْهَمٍ
يَتَفَتَّحُ الأَمَلُ الوَرْدِيُّ فِيها بِالْأَحْلَامِ

فَاسْتَقْرَّ فِي الثَّرَى مَهْمَا تَقَلَّبَ حَالُ الفُصُولِ
وَاصْعَدْ إِلَى الذُّرَى رَغْمَ اشْتِدَادِ الخُطُوبِ
فَالنَّخْلَةُ العَالِيَةُ تَصْمُدُ أَمَامَ الهَوَاجِرِ
وَتُثْمِرُ الطِّيبَ رَغْمَ جَدْبِ كُلِّ سَهْبٍ مُجْدِبِ

لَيْسَتِ الغُرْبَةُ إِلَّا مَحْطَةً فِي رِحْلَةِ الوُجُودِ
وَشَّتَاتُ اللَّفِظُّ رُبَّمَا أَتَى بِاللِّقَاءِ الوَدُودِ
فَكَمْ بَذْرَةٍ طَارَتْ شَطُونًا عَنْ مَوْطِنِهَا
لِتَجِدَ فِي تُرْبَةِ الغُرْبَاءِ خَيْرَا مَوْعُودِ

وَهَكَذَا تَدُومُ رِحْلَةُ الفَتَى المُبْتَكِرِ
يَغْرِسُ فِي كُلِّ أَرْضٍ حُلْمَهُ المُتَعَظِّمِ
لَا تَرُوعُ المَسَافَاتُ هِمَّتَهُ العَالِيَةَ
وَلَا تَكْسِرُ صَمْيمَ العَزْمِ عَاصِفَةُ المُفْزِعِ

وَإِنْ تَبَدَّلَ حَوْلَهُ مَكَانٌ وَوَجْهُ
فَإِنَّ أَصْلَ الجَوَاهِرِ لَا يَفُوتُهُ نَجْحُ
شَجَرَةٌ حَمَلَتْ أَصْلَهَا لِآفَاقٍ نَاءِيَةٍ
لِتُظِلَّ السَّمَاءَ بِالغُصْنِ الوَفِيِّ وَتَفْتَحُ

فَلْنَنزَهِّ الأَمَلَ المُزْهِرَ فِي الصُّدُورِ
وَلْنُضِئْ شَمْعَةَ الإِيمَانِ فِي لَيْلِ الدُّجُونِ
مَا دَامَ فِي القَلْبِ نَبْضُ الحُبِّ وَالعَطَاءِ
سَتَجِدُّ الحَيَاةُ مَعَ الإِشْرَاقِ وَالإِدْبَارِ وَالغُيُونِ

وَلْتَكُنْ كُلُّ خِتَامٍ طريقًا بِدَايَةً لِزَمَانٍ جَدِيدِ
وَكُلُّ فِرَاقٍ مَوْعِدًا لِلقَاءٍ بِحُبٍّ موَعوُدِّ
فَالْكَوْنُ فِي دَائِرِ التَّجْدِيدِ أَبَدًا يَدُورُ
وَكُلُّ غُرُوبٍ له وَعْدٌ بِفَجْرٍ تَالِدِ

 

مَقَامَ الصَّخْرِ

سَلِ الضِّيَاءَ الَّذِي فِي صَدْرِكَا  يَبْقَى وَيَزْدَانُ بِالْهُدَى وَالْفَضْلِ تِلْكَ مَسَاحَاتُ الْكَلَامِ مُؤَوَّلٌ  تَحْتَ الْحُرُوفِ ...

الأكثر رواجا