الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

أَفْقِ النُّهَى

هُنا سَنبْحِرُ فِي مَدَى الإِحْسَاسِ 
وَيَنْحَتُ المَعْنَى بِصَفْوِ الحَنانِ
وَيَزْرَعُ الصَّدْقَ فِي بُسْتانِ مَفْعُولِهِ
لِيُزْهِرَ البالُ مِنْ آهاتِهِ الألحانِ

وَيَرْتَقي اللَّفْظُ فِي أَدْراجِ مُتَّسِعٍ
فَيَبْلُغُ الذِّهْنُ مِنْ تَأمِيْلِهِ أَوْطانِي
فَخُذْ نَفْسًا وَأَوْجِدْ سُكُونَ سَنًا
فالحُسْنُ في العُمْقِ لا في الهَيّانِ

فَأَنْصِتُوا بِنَفَسٍ مُسْتَعْدٍّ بِالجَرَيَانِ
يُوَلِّدُ البَوْحَ في مَخَابِئِ الأَحْزَانِ
وَدَعُوا مَلامِحَنا نَحْتُ المَعَانِي
يُسَطِّرُ السَّرَّ في مَطارِحِ الإِمكانِ

فَمَا تُطالِعُونَ لَيْسَ لِمَنْ عَبَرُوا
بلِ لمن صَنَعُوا العُمْقَ بِالإِتْقانِ
هُنا سَنَرْسُمُ مَا تَسَاقَطَ مِنْ رُؤًى
لِيَبْدَأَ السَّفْرُ مِنْ حُرَمِ التَّكْوَانِ

سَتَنْجَلِي الغُمَّةُ العُظمى وتَنْكَشِفُ
السِّتارُ عن الفَرْجِ إذ يَحْكُمُ القَدَرُ
وَيَظْهَرُ النُّورُ في وادٍ تُقَلِّبُهُ
الظُّلْماءُ حَيْنًا ثُمَّ يَغْمُرُهُ الزَّهَرُ

وَتَنْثُرُ الرِّيحُ أَسْرارًا مُعَطَّرَةً
فَيَزْهُو لَها في المَوْسِمِ الثَّمَرُ
وَيَرْتَقِي النَّبْضُ في صَدْرٍ تُدَثِّرُهُ
الـثِّقَةُ الغَزِيرَةُ إذ يَحْيا بِها السَّفَرُ

فَاصْبِرْ، فَإِنَّ الَّذِي يُولي وُجُودَكَ
ما أَعْطَاكَ إلَّا الَّذي يَسْتَحْسِنُ القَدَرُ
ولا تُقارِبْ لِحادِثٍ شُكوكَ ضَيَّقَتْ 
صَدْرَهُ الأوْهامُ فاضْطَرَّهُ الضَّجَرُ

واسْتَبْشِرِ الخَيْرَ، فالتَّدْبيرُ مُتَّسِقٌ
وَحُكْمُهُ في الأكْوانِ مُنْتَظِمٌ بَدَرُ
فَمَا اسْتَقَرَّتْ علَى أَكْدارِهِ نَفْسٌ
إِلَّا تَزايَدَ فِيهَا بَعْدَ ضِيقَتِها الأَثَرُ

وَقَدْ نُكابِدُ أحزانًا تُحاصِرُنا
لكنَّ في غَدِنا ما يُزْهِرُ البَشَرُ
وَنَنْحَنِي لحِصابِ البَحْرِ في عَتَبٍ
ثمًّا نُلاقي الّذي فِي قاعِهِ الدُّرَرُ

وَمَا دُعاؤُكَ في سِرٍّ تُهَجِّيهِ إلّا
شُعاعَةٌ في فَضاءِ العُسْرِ تَنْتَشِرُ
فَكُنْ مُسَلِّمَ أَحْوالٍ تُنازِعُكَ الـقَلْبَ
تَرَحْ رَوْعَكَ المَجْروحَ يَنْحَدِرُ

وَدَعْ سُقوطَكَ في عَيْنِ المشاقِّ لَها
في العاقِبَاتِ عَلَى أَنْوارِها أَثَرُ
فَإنَّ صُنْعَكَ مَعْروفًا تُقَدِّمُهُ
يَعودُ نِعْمَ الصُّدَى في الدَّهْرِ يَنْصَهِرُ

وَكُــلُّ عُسْرٍ إذا ما حانَ مَوْعِدُهُ
عَنْ صُدْرِ مُنْشَدِّهِ المَمْكُومِ يَنْحَدِرُ
فَثِقْ بِما في جَديدِ الفَجْرِ مِنْ نَفَحٍ
فَالضُّوءَ آخِرُ ما تَغْشاهُ مِنْ سُتُرُ

فَالخَيْرُ يَصْعَدُ حَتّى عَنْدَ الغُمَرُ
وَالصَّدْقُ يَبْقَى وَإِنْ عَاثَتْ بِهِ المَخَاطِرُ
وَالبِرُّ يَرْجِعُ حَتّى لَوْ تَشَتَّتَتْ خُطَرُ
وَلَوْ عَلِمْتُمْ بِنَفْحِي حينَ أُذْكِرُكُمْ مُبْتَكِرًا

أُخْفِي المَواجِدَ خَلْفَ الصَّمْتِ مُتَّقِدًا
كي لا يَرى سِرَّها مَنْ زادَهُمْ نُقْصَانِي
وأَرْتَضي ضَرْبَةَ الدَّهْرِ الَّتي سَلَبَتْ
مِنِّي الطُّمَأْنِينَةَ العُظمى لِتَأْمَنَ شَانِي

وَأَمْنَحُ الدَّرْبَ صَبْرِي كُلَّ نازِلَةٍ
حَتّى يَفِيضَ عَلى عِرْقي بَها تِبْيانِي
وأُسْلِمُ القَلْبَ تَوْقًا لا يُفَسِّرُهُ
إِلّا ارْتِعاشُ هَوًى فِي كُلِّ أَضْلاعِي

وأَبْسُطُ الحُلْمَ لِلأَيّامِ مُطْمِئِنًا
تَحيطُ بي فَرَحًا تُزْجِي بِهِ أَحْزانِي
فَإِنْ عَتَا اللَّيْلُ أَوْ غامَرْتُ وَحْدَتِيًا
عُدْتُ لِصِدْقِي، وَعُدْتُمْ في خَيَالِي 

وَالنَّفْسُ تَرْتَاحُ بَعْدَ الضِّيقِ مُنْقَلِبًا
وَالحُبُّ يَرْفَعُ بَعْضَ الأمْرِ إذْ هَدَرُ
وَالقَلْبُ يَسْتَوْدِعُ الرِّفْقَ الَّذِي فُتِحَتْ
فِيهِ السَّبيلُ فَلا تَغْرُورَنَّهُ العَبَرُ

فَــكُنْ نَقِيَّ السَّجايا لَا يُكَدِّرُكَ الضَّجَرُ
وَتَابِعِ الدَّرْبَ واثِقًا فِيما سَيَحْكُمُهُ القَدَرُ
وَافْرَشْ لِوَقْتِكَ ما تَرْجُو عِندَ طُلُوعِهِ بَشَرُ
فَالْوَقْتُ يَأْخُذُ مَا يَشَاءُ ويَهَبُ الَّذِي ادَّخَرُ

لايَضْيَعُ خِيطَ نَسِيجُهُ بِحِكَمٍ سَتَظْهَرُ
فَمَا رَأَيْتَهُ مُرًّا يَوْمًا يَعُودُ عَلَى ثَمَرُ
وَتَنْجَلِي السُّحُبُ ولَوْ تَغَوَّلتْهَا خُطَرُ
وَيَنْطَفِئُ اللَّيْلُ مِنْ نَفْحٍ، فَيَصْعَدُ الفَجْرُ

وَإِنْ تَهاطَلَتِ الأَحْزانُ مُدْبِرَةً 
فَذاكَ عُمْقٌ لَهُ فِي الحَالِ مُسْتَقَرُ
فَلا تُبَعْثِرْ شُعَاعاتِ الرَّجَا جَزَعًا 
فالرِّفْقُ يَحْسُنُ مَعْ ما فيكَ مِنْ أَثَرُ

وَخُذْ الصَّمْتِ إِنْ ضَاقَتْ مَسَالِكُهُ 
بَابًا تُرَتِّبُ فِيهِ مَا انْفَتَحَ السَّتَرُ
فَكَمْ أَضَاعَتْ دُيُوجٌ ما تَجَمَّعَهُ 
عَجَلٌ، فَضَاعَ بِهِ فِكْرٌ وَمَا ادَّخَرُ

وَكُنْ كَمَنْ أَفْرَغَ الَّذِي حَمَلَتْ بِهِ 
ضُلُوعٌ لَهَا فِي الصَّبْرِ مُنْتَصَرُ
فَالنُّورُ يَقْتَرِبُ اقْتِرَابًا لا يُخَالِفُهُ 
إِلّا فُسُوقُ شُكُوكٍ سَرَّهَا الضَّجَرُ

وَإِنْ دَهَتْكَ عَوارِضٌ مُسْتَبْطِئَاتُهُ 
فَلْتَنْحَدِرْ دَمْعَةٌ قَرَأتَ لِلَّهِ فتَنْهَمِرُ
فَمَا تُقَدِّمُهُ في الصِّدْقِ مِنْ عَمَلٍ 
يُولَدْ غَدًا لَكَ فِي أَفْقِ النُّهَى قَمَرُ

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مَقَامَ الصَّخْرِ

سَلِ الضِّيَاءَ الَّذِي فِي صَدْرِكَا  يَبْقَى وَيَزْدَانُ بِالْهُدَى وَالْفَضْلِ تِلْكَ مَسَاحَاتُ الْكَلَامِ مُؤَوَّلٌ  تَحْتَ الْحُرُوفِ ...

الأكثر رواجا