الاثنين، 20 أكتوبر 2025

سرَّ الصمتِ

هواجسُ لا تنقضي، فيها الكِبَرُ انكسرْ
على جُروفِ الجهلِ، في بحرٍ غدا خَطَرْ
والروحُ تأبى أن تفيقَ من السُّدى
فتُفقدُ الكنـزَ الذي في العلمِ مُندَثرْ

واليقـينـاتُ سرابٌ خادعٌ، ينمحي
إذا هبّتْ رياحُ الدهرِ، وانكشفَ السَّتَرْ
ولا يدركُ سرَّ الكونِ في أوجِ العُلى
سوى قلبٍ تفتّحَ للجراحِ، وما انفطرْ

حقائقٌ، آلافُها، في الغيبِ مُحتجَبة
وراءَ صمتٍ ثقيلٍ، لا يُبوحُ ولا انتَصَرْ
محفوظةٌ في كهفِ وجدانٍ عميقٍ
لم تعبثِ الألسنُ بها، ولم يَطَلْها الخطرْ

من رحمِ التواضعِ يولدُ الفهمُ الجليّ
أمامَ أسرارٍ تحيطُ بنا كما القَدَرْ
ومن هشاشةِ النفسِ ينبثقُ العُلا
إذا تجلّى في الضميرِ المُستترْ

دروسُنا نُقِشَتْ بحبرِ التجربةِ الجسورْ
لا يقرأُ النقشَ سوى مَن بالنهى نظَرْ
منقوشةٌ في فُوَّهاتِ الوجعِ العميق
حيثُ الألمُ نَحَتَ الوعيَ واعتذرْ

أن نُبصِرَ دون حُكمٍ، أن نُصغيَ قبلَ قولْ
تلكَ الحكمةُ التي تُثمرُ فيمن اعتبَرْ
فالصمتُ يخلقُ للحقيقةِ مَوطناً
والجهلُ يمّحي حين يُنصَتُ للفِكَرْ

والخطأُ أستاذٌ كريمٌ لمن وعى
يَهدي إلى سُننٍ، تخفيها العِبَرْ
لكنه يُقصي الذي قد أغترَّ، أو
أعماهُ زيفُ الظنِّ، أو أغراهُ مَن كَفَرْ

تتّسعُ الآفاقُ في سَفرِ النفوسْ
حينَ يغوصُ المرءُ في ذاتِهِ البَشَرْ
ويكتشفُ كنوزَهُ المكنونةَ، إذْ
تُهديهِ تجاربُهُ إلى أسمى الدُّرَرْ

إنْ قبلنا أننا فانُونَ، انجلتْ
أبوابُ خلْدٍ من وراءِ المُنحَدَرْ
فمن يعِي أجنحتَهُ، يَسمُ بعُلوه
ويَحلِّقُ الحرُّ في أفقٍ قدِ ازدهَرْ

الحقائقُ التي لا يُفصِحُها البيانْ
تُشرقُ في أعماقِ وعيٍ قد نَضَرْ
ألغازُها سِرٌّ مقدَّسٌ، إذا
تجلّى، أذهلَ العقلَ وافتخَرْ

فالتواضعُ يخطُّ في أرضِ العلومْ
أخاديدَ نورٍ، زَرَعَ الفَهمَ والثَّمَرْ
وفي بساتينِ الوقارِ، نبتَتْ
زُهورُ وعيٍ، عطرُها لا يُنتَزَرْ

والأسرارُ التي حُفِظَتْ في القلوبْ
سَقَتْ نبتَ صبرٍ لا يلينُ ولا انكسرْ
وأنضجتْ ثمرَ السكونِ، بصبرِ مَن
أخفى يقينَهُ، ولم يَشْكُ ولم يَجُرْ

أن نعترفَ بجهلِنا، شرفٌ جليلْ
بهِ نلامسُ سرَّ عِلمٍ قد كَبُرْ
وفي اعترافِ النفسِ بعجزِ جناحِها
تحلّقُ الأرواحُ، وتبلغُ ما نَدَرْ

فالظاهرُ يُمزَّقُ، إنْ صدقْنا النَّظَرْ
وتنكشفُ الحقائقُ إن صدَقنا الخَبرْ
تُظهرُ الأكاذيبُ ما أخفَتْهُ طويلاً
فتنجلي من باطنِ العمقِ العِبَرْ

والرُّشدُ أنْ نصمتَ، إذا الكلمُ خبا
إذا غدا القولُ هراءً لا أثَرْ
فنمّي فيك سرَّ الصمتِ، تنجُ به
من قيدِ نفسٍ، يُحطّمها الهَذَرْ

 

أحكامُ الورى

تمحو أحكامُ الورى إذ نستكينُ
وترى السكينةَ في الفؤادِ تُقيمُ
وليس بعدَ الظفرِ خوفٌ يعتري
روحًا عرفتْ ذاتَها فتسيمُ

تذوي صدى الآراءِ إن صدقُ الهوى
ملأ القلوبَ، وزالَ عنها السُّومُ
والمجدُ في نفسِ الفتى إنْ عرفَتْ
قَدْرَ النفوسِ، فذاكَ أعظمُ قَيمُ

والعلمُ يكشفُ ما خفي من جهلنا
ويزيلُ عن أبصارِنا التَّعتيمُ
كلَّا، يظلّ المرءُ مهما ارتقى
يكتشفُ البحرَ الذي لا يُحْتَكَمُ

يزدادُ تواضعُ ذي النهى في عمرهِ
والصبرُ زادٌ للفتى المعصومُ
يكشفُ التعلمُ حدَّنا المستورَ في
رحلاتِ بحثٍ ما بها تسويمُ

تذوي أوهامُ العُظمِ تحتَ تأملٍ
فالمجدُ يولدُ من جَراحٍ دومُ
واللامبالاةُ إذا سمتْ تُنجي الفتى
من حُكمِ قومٍ ما لهم تسليمُ

والعلمُ إذ بلغَ الغزيرَ أبانَ ما
في النفسِ من صِغرٍ به تسليمُ
لكنَّ ذاك الحزنَ صارَ رفيقَنا
فأمدَّنا بالوُدِّ والتكريمُ

فلنستقلْ بالرأيِ عن أهواءِهم
كي لا يُقيدَ فكرُنا التحكيمُ
نادِرْ صديقٌ في الحياةِ وفاؤهُ
يسعى لصدقٍ، همُّهُ التكريمُ

فالصحبُ تُعرفُ بالثباتِ وبالوفا
لا بالمجاملةِ التي لا تدومُ
ميزِ المحبةَ إنْ أتتكَ صريحةً
عن تلكَ ألوانِ الهوى الموهومُ

إنَّ الإصغاءَ يحوّلُ الأحاديثَ التِي
تحيا إلى وصلٍ به تسليمُ
لكنَّ جَفْوَ السمعِ يمحو نورَها
ويُميتُ في قلبِ الهوى التنغيمُ

واحفظْ كرامتَكَ العزيزةَ دائمًا
فهي الحصينُ لجَمالِنا المرسومُ
لا تنحنِ للأمرِ إن جارَ الزمانُ بنا
فالحرُّ حرٌّ وإن ضاقَت بهِ السُّبُلُ

 

بُسْتانَ الفؤادِ

صُنْ صَحْبَكَ الصِّدقَ الذي لَزِمَ القِيَمْ
فبهِ تُشادُ بيوتُ وَدٍّ مُحْكَمِ
فالمرءُ بينَ الناسِ يُعرَفُ قدرُهُ
بالصُّحْبِ، لا بالمالِ أو بالمَغْنَمِ

إذا الاحترامُ تَبادَلَتْهُ قلوبُنا
شادَ الودادُ دعائمًا لا تُهْدَمِ
والجَفْوَةُ العمياءُ تَهْدِمُ ما بَنَتْ
أيدي المحبةِ من عُرًى وتَنَعُّمِ

فارْفُضْ تهاونَ من يُهينُ كرامةً
واصنَعْ جدارَ العزِّ حولَ الحُرَّمِ
إنَّ الودادَ الصّافيَ المصقولَ لا
يحيا بظلِّ تهاونٍ أو مأثَمِ

والصُّحبةُ السطحيةُ العجلى تَذُوبْ
عند الرياحِ كزَهْرِ روضٍ يُسْلِمِ
أمَّا الصداقاتُ العريقةُ فَثَبْتُها
يبقى أمامَ جَوائحٍ وتَقَلْقُمِ

وإذا دَعَاكَ النُّصحُ للترحالِ فَانْــضَحْ
خَطوَكَ الحُرَّ المُعَزَّزَ بالعِزِمِ
لا تَرْضَ بالبُغضاءِ تَسْطُو في الحَشَا
فتُميتَ فيكَ بهاءَ روحٍ مُلهَمِ

والودُّ لا يَحْيا بغيرِ مُبادَلٍ 
في الحبِّ والإحسانِ دونَ تَصنُّمِ
فالصدقُ تاجُ الصَّحْبِ إن هم غابَهُ
سَقَطتْ روابطُهمْ بليلٍ مُظلِمِ

والقلبُ يعرفُ نُبْلَ قلبٍ مثلَهُ
بالفِطْرَةِ البيضاءِ دونَ تَوَهُّمِ
والروحُ إن ولِدَتْ جديدًا أَلْفَتِه
أرواحَ تُشْبِهُها بصفوِ التَّوَسُّمِ

فاعرفْ صديقَك بالتمييزِ ولا تَدَعْ
للعابثينَ مداخلًا في المَحْرَمِ
فجواهرُ الأصحابِ تُدْرَكُ بالذَّكَا
لا بالعددِ المُستفيضِ المُكْثَمِ

واكْرِمْ منَ الأصحابِ مَنْ كَرُمَتْ يَداهُ
وأَعْرِضْ عن المستخفِّ المُجرِمِ
فالصفوُ يَجمعُ من يُشابهُنا وفا
واللؤمُ يَلفظُ نَفْسَهُ كالمُجْرَمِ

إنَّ الحقيقةَ في النفوسِ جَذابةٌ
تُؤوي الكرامَ وتطردُ المتَحَطِّمِ
واحفظْ بُسْتانَ الفؤادِ مُصانَةً
من كيدِ باغٍ أو خُبُثِ المُغْتَنِمِ

فالصَّاحِبُ الوفيُّ يَبقَى حولَنا
في الشِّدَّةِ العَظمَى كأَصلٍ مُحْكَمِ
أمَّا الزَّعيْمُ بوجهِ زورٍ زائفٍ
يَغدو كظلٍّ زائلٍ متقوِّمِ

واجعلْ وُدودَكَ في الذي يَسْتَحِقُّهُ
فالانتقاءُ سبيلُ عُمْرٍ مُنعِمِ
فالحبُّ يُعطي دونَ طَمْعٍ في الجزا
لكنَّهُ يَحيا بظلِّ المُلهِمِ

واحفظْ حدودَك كالعَلَمْ في سَاحِهِ
لا ينثني للغادرِ المتجرِّمِ
فالحُرُّ يَرسُمُ بالسَّدادِ جُدودَهُ
كي يحفظَ المجدَ المُعَنَّى بالعَظَمِ

فالصحبُ دُرٌّ، إنْ صفَوْا أضاءَنا
كالبدْرِ في ليلِ الظلامِ الأعتمِ
واخترْ من الناسِ القلوبَ نقاءَها
فالنخلُ لا يُهدي سوى التمرِ الأتمِّ

 

نغمةِ صدحٍ

دع عنك قيـس الجَـمـالِ بـمَــن قـيـاسِـهـمْ
فالـزهرُ يـفـتَحُ لا يُـلـقـي لِـمَـن نــبَــسِ

كلُّ الخليقةِ تمضــي في طــريــقِ هُـــدا
لا تَرتــجــي مـــدحَ جـــارٍ أو رضـى نَفَــسِ
فالـــوردُ يَـنــشُرُ عِــطــراً دونَ ما غَـيَـــرٍ
ويُهدي الضــوءَ لا يَسعى إلى القِـيَــسِ

والمبدِعُ الحقُّ لا يَغشاهُ مُقارنةٌ
بل يَستقي قُوَّةً مِن صَفـــوِ مُلْتَمَسِ
إنّ المُــقـارنَ يُطــفــئُ فيـهِ أنــجُــمَهُ
ويَخسِرُ الروحَ في سِبـاقٍ بلا حَرَسِ

فالـبُستانُ الأحـلـى يَــزدَهـي تـنـوُّعَهُ
لا يســتوي غُصنُــهُ طَوعــاً مع الغُرَسِ
تـــزهـــو الفــرادةُ إذ تَــفــنَى مــنـافِســةٌ
ويَنبتُ الفكرُ في صَفـــوٍ بلا دَنَــسِ

والعُمرُ مَوسِمُهُ يأتي بأزاهــرهِ
بِحَسْبِ ما أَودَعَ الخلاّقُ مِن نَفَسِ
فـأَطـلِـقِ المـوهِـباتِ الطُّـهـرَ صـافِـيـةً
ودَعْ هَوى القَسْرِ يُمحى مِثلَما دَرَسِ

إنّ الجمــالَ الأصيلَ النــورُ يُـولِـدُهُ
رِضـــى القلوبِ وإغضــاءٌ عن المَــقِــسِ
والنجمُ في أفقِه لا يســتـبـقُ صاحِبَهُ
كُلٌّ يُضيءُ على مـــا أَودَعَ الحَــرَسِ

فـــاحـــفَظْ فــرادتَك الغرّاءَ لا حَسَدًا
تَــبْلُغْ صفــاءً كـــأشعــاعٍ مِـن القَــبَـسِ
والكــونُ أَحسَــنُ إذ يَزدادُ مُتَّحِــدًا
فـكـلُّ نَغْـمَــةِ صـدحٍ تَـــرفَـــدُ الجَرَسِ

مَــن قَبِــلَ الفِطــرةَ الغرّاءَ مَغرسَهُ
ســبَّحَ الإبداعُ فيهِ مُعجِــبَ النَّفَسِ
سلِّ القلوبَ عن السكينةِ في النَّفَسِ
تُهدِك صَفوًا بغيرِ الوزنِ والمِقَسِ

لا تُكثِرِ النَّظرَ المَسمومَ في أُفُقٍ
يُوهِمُك الحُسنُ فيهِ وهو في التَبَسِ
دع عنك قَيسَ الجمالِ بمَن قِياسِهِمُ
فالزهرُ يَفتَحُ لا يُلقي لِمَن نَبَسِ

كلُّ الخليقةِ تمضي في طريقِ هُدى
لا ترتجي مدحَ جارٍ أو رضى النَّفَسِ
فالوردُ ينشرُ عطرًا دونَ ما غَيَرٍ
ويُهدي الضوءَ لا يَسعى إلى القِيسِ

والمبدِعُ الحقُّ لا يَغشاهُ مُقارنةٌ
بل يَستقي قوةً من صَفْوِ مُلتمسِ
إنَّ المقارنَ يُطفئُ فيهِ أنجُمَهُ
ويَخسرُ الروحَ في سباقٍ بلا حَرَسِ

فالبستانُ الأحلى يزدهي تنوُّعَهُ
لا يستوي غُصنه طوعًا مع الغُرَسِ
تزهو الفَرادةُ إذ تفنى منافسةٌ
وينبتُ الفكرُ في صفوٍ بلا دَنَسِ

والعمرُ موسِمُهُ يأتي بأزاهرهِ
بحسبِ ما أودع الخلّاقُ من نَفَسِ
فأطلقِ الموهباتِ الطهرَ صافيةً
ودع هوى القسرِ يُمحى مثلما دَرَسِ

إنَّ الجمالَ الأصيلَ النورُ يولدُهُ
رضى القلوبِ وإغضاءٌ عن المَقِسِ
والنجمُ في أفقهِ لا يَستبقُ صاحبَهُ
كلٌّ يُضيءُ على ما أودع الحَرَسِ

فاحفظْ فرادتَك الغرّاءَ لا حسدًا
تبلغْ صفاءً كأشعاعٍ من القَبَسِ
والكونُ أحسنُ إذ يزدادُ متَّحدًا
فكلُّ نغمةِ صدحٍ ترفدُ الجَرَسِ

مَن قبِلَ الفطرةَ الغرّاءَ مغرسَهُ
سبَّح الإبداعُ فيهِ معجبَ النَّفَسِ
فالعزُّ في أن ترى نفسَك كما خُلِقَتْ
لا في اللحاقِ بظلٍّ زائفِ الحِرَسِ

 

صبرَ يـدٍ

خريفُ عمري أهدَتِ الأيَّامُ حِكَمِي
وَمَضَتْ تُعَلِّمُنِي وُقُورَاتِ القَلَمِ
وَجَرَتْ جَرَاءَ الفَتَى فَغَدَا هَوَانِي
فَأقَمْتُ فِي حِضْنِ الحَنَانِ عَلَى قَدَمِ

وَأَتَى صَبَاحٌ لاحَ يَكْسُو خُطْوَتِي
ضَوْءَ الرِّضَا وَيُرِي الجَمَالَ بِلَا نِعَمِ
وَرَأَيْتُ عُرْيَ الشَّجْرِ يُبْدِي سِرَّهُ
أَنَّ الجَمَالَ بِغَيْرِ زِينَتِهِ أَعْمِي

وَمَضَى جُنُونُ الأَمْسِ حَتَّى أَخْمَدَتْ
رُوحِي لِتَطْلُبَ جَوْهَرًا أَبَدًا يَقِيمِ
وَهَجَرْتُ زَهْوَ العَيْشِ حَتَّى أَسْكَنَتْ
رُوحِي بِوَسْطِ الحَالِ فِي عَيْشٍ قَسِيمِ

وَتَعَلَّمْتُ الصَّمْتَ أَسْمَعُ نَفْسِيَ
وَأَذُوقُ سِحْرَ اللَّحْظَةِ الهُدْبِ الحُلُمِ
وَشَمْسُ مَغْرِبِي أَرَخَتْ رِدَاءَ عَفْوٍ
وَالسَّمْحُ يُسْلِي الرُّوحَ فِي لَحْنٍ نَغِيمِ

وَمُرُورُ أَيَّامِي حَوَى رَحِيقَهَا
وَالقَلْبُ حَافِظُ كُلِّ فَنٍّ مُكْرَمِ
وَتَخَلَّصَتْ نَفْسِي مِنَ الضَّوْضَاءِ حَتَّى
أَصْغَيْتُ لِلصَّحْبِ القَرِيبِ عَلَى قَدَمِ

وَرَفَعْتُ عَيْنِي لِلْمَدَى فَتَسَاوَتْ
عِنَايَةُ الصَّغِيرِ وَالعَظِيمِ فِي انسِجَامِ
وَثَبَتُّ فِي وَجْهِ الرِّيَاحِ وَرَسْمُهَا
فِي الصَّحْفِ يَخْطُرُ حَافِرًا أَثَرَ القِيمِ

وَشَرَفُ الرُّوحِ المُصَفَّى زَادَنِي
عِطْرَ الزَّمَانِ وَرِقَّةَ القَلْبِ الكَرِيمِ
حَتَّى بَلَغْتُ تَاجَ نُضْجٍ رَائِقٍ
وَسَمِعْتُ أَلْحَانَ المَسَاءِ عَلَى نَغِيمِ

فَهَذَا حَصَادُ العُمْرِ أَزْهَرَ بَعْدَ أَنْ
عَبَرَ الزَّمَانُ وَقَدْ تَسَلَّحْتُ بِالحِكَمِ
وَصِرْتُ فِي مَأْوًى بَعِيدٍ هَادِئٍ
أَهْدِي الرَّحِيقَ لِمَنْ تَبَوَّأَ فِي حُشَمِ

وَنَجْمُ قَلْبِي فِي الظَّلَامِ دَلِيلُهُ
وَالوَقْتُ حَانَ لِقَبُولِ مَا جَرَى بِفَهْمِ
وَقَوْسُ عُمْرِي شَيَّدَتْهُ صَابِرًا
حَتَّى تَمَامَ العَهْدِ فِي عِزٍّ وَحِمْيِ

خريفُ عمري أهدَتِ الأيّامُ حِكمـي
وفـي دُروسِ الدهرِ أشرَعتِ القَلَمـي
جـرأةُ الفتـى ولّتْ وأبصرتِ المُنى
فـأقمتُ فـي حضنِ الحنـانِ علـى قُدُمـي

وفجـرُ صبـحٍ لاحَ يكسـو خطوتـي
ضوءَ الرضا، ويُري الجمالَ بلا نِعَـمـي
والشجـرُ العاري يُنادي سِرَّهُ
أنَّ الجمالَ بغيرِ زينتِهِ أعَمـي

ومرُّ عمري أذْهَبَ السَّفهَ القديمَ
فغدوتُ أطلبُ جوهرًا أبـدًا يقـيمـي
هَجرتُ زهوَ العيشِ، أسكنُ وسطَهُ
وأحببتُ البِساطَ كنـزَ مَعيشَتـي وعَـمـي

وتعلّمتُ الصمتَ، أسمعُ أنفسي
وأذوقُ سِحرَ اللحظـةِ الهُـدبِ الحُلُـمـي
وشمسُ مغربي ترميني بعفوِها
وسمـاءُ نـورٍ تُسلّي الروحَ فـي الألَـمـي

مُرارةُ الأمسِ انقلبنَ رحيقَها
والقلبُ صانَ لكلِّ فنٍّ أعظَمِـي
تحررتُ من ضوضاءِ عيشٍ جائرٍ
وأصَختُ سَمعي للقريبِ علـى قَـدَمـي

فارتقى نظري إلى بُعدِ المدى
يحتضنُ الصغيرَ معَ العظيمِ في انسجـامـي
وثبَتُّ رغمَ الريحِ، أرسمُ خطوتي
والحقُّ يَخطُرُ في صحائِفِ أيّـامـي

شرفُ الروحِ المُصفّى زادَني
عِطـرَ السنينِ وأعطَفَ القلبَ الغَشِيمـي
وبلغتُ تاجَ النضجِ، أسمعُ لحنَهُ
مساءً يُغنّيهِ هدوءُ مُسَلَّمِـي

فهَذا حصادُ العمرِ، أزهَرَ بعد أنْ
عبرتُ هاويةَ الزمانِ على حِكَمـي
وصِرتُ في مأوى بعيدٍ هادئٍ
ألقى الرحيقَ لمن تبوّأَ في حِشَمـي

ونجمُ قلبي في الظلامِ دليلُـهُ
والوقتُ حانَ لِقَبولِ ما جَرى بفَـهْمـي
وقوسُ عمري شيّدتهُ صبرَ يـدٍ
حتى تمـامَ العَهدِ، أكـرمَ قَسَمـي

 

مَقَامَ الصَّخْرِ

سَلِ الضِّيَاءَ الَّذِي فِي صَدْرِكَا  يَبْقَى وَيَزْدَانُ بِالْهُدَى وَالْفَضْلِ تِلْكَ مَسَاحَاتُ الْكَلَامِ مُؤَوَّلٌ  تَحْتَ الْحُرُوفِ ...

الأكثر رواجا