الأربعاء، 15 أكتوبر 2025

حُروفً مُنَوَّرة

سَأَنسُجُ مِن رُوحِي حُروفًا مُنَوَّرا
لِتَحمِلَ للقلبِ المكدودِ سِرَّا
وأَفرِشُ أَوزانَ الطَّويلِ بساطَها
فَتُزهِرُ في الأرواحِ وردًا وأَزهَرا

حديثٌ عنِ النَّفسِ التي ضَاعَ صَوتُها
تَفتِّشُ في لَيلِ الحَياةِ عنِ الفَجرا
وَوَجعُ يقينٍ كانَ بالأمسِ راسِخًا
فذَابَ، كَمِثلِ الموجِ يُغشِي ويَنهَرا

هُويَّةُ إنسانٍ تَمزَّقتِ الخُطى
فأَضحَت شُتاتًا في الرّياحِ مُبَعْثَرا
وطَيفُ زَمانٍ كَانَ أبهى وأَسعَدًا
فأَمسَى كَظلٍّ في المَساءِ تَحوَّرا

سَنَسري مَعَ الأبياتِ نَكشِفُ سِحرَها
لِنَنهَلَ مِن دَفقِ المَعاني مُدَثَّرا
فَيا قارِئًا هَيِّئتُ قَلبَكَ ناصِحًا
لِتَخطُو مَعَ الشِّعرِ البَهِيِّ مُبَصَّرا

إلى العُمقِ نمضي حيثُ تَحيا الحَقائقُ
وحيثُ يَذوبُ الزَّيفُ، تُمحى المَشارقُ
هُنالكَ تَبدو النَّفسُ في لُجَّةِ المدى
تُصارِعُ أمواجًا بها العَقلُ غارِقُ

تَرى صُوَرَ الأيّامِ مثلَ غُيومِها
يُلاحِقُها وَهنٌ، وتَفنى البَوارِقُ
ويسري الصَدى في صَمتِ دَهرِها
فتَغدو خُطانا في السَّرابِ طَوارِقُ

هُناكَ الهَوى يُبدي لِلنَّفسِ زَهوَهُ
ويُغري، ولكن لا يَفيضُ عَوائقُ
فَما البَحرُ إلا رَمزُ رُوحٍ تَمزَّقَتْ
تَهادى بها التيهُ الكَئيبُ الخَوَارِقُ

فَكُن مُستعِدًّا أن تَغوصَ مُفكِّرًا
فَفي الغَورِ يَخفى سِحرُ نَفحٍ وصادِقُ
وَدَع قَلبَكَ الواعي يُسافِرُ حالِمًا
لِيَبلُغَ مَعنى في الشُّعورِ عَوالِقُ

شخصيّتُكِ تَهفو، وتَجري حَيارى
بَينَ قَدمٍ جديدٍ، وماضٍ توارى
تَفَكَّكَ منها الوَصلُ، وانحلَّ سِرُّها
فأمسى شظايا في الهَوى قد تَطايرا

يقينُكِ واهٍ في ضَبابِ الشُّكوكِ
كما ضاعَ يقنُ الجَمعِ حتى تَكَسَّرا
هُويتُكِ ذابت في مَحيطِ التَّأثُّرِ
فضاعَ جوهرُها المكينُ تَبعثرا

طَبيعتُكِ الغَرّاءُ تَفنى مُغيَّبةً،
وصَفوُكِ في نثرِ التّحوُّلِ قد سَرى
تصيرينَ غيرًا في تَقَلُّبِ حالِكِ
وأصلُكِ في ثَوبِ الغُروبِ تَستَّرا

وكانت بَنُو الإنسِ اعتدالاً وسَكينةً
فأصبَحَ لَهوُ القَومِ رَوضًا مُنوَّرا
وكانت طُفولتُنا تُزهِرُ صافيةً،
تَمدُّ جذورًا في الفصولِ وتَكبُرا

وكانت خُطانا في انسجامٍ مُوَحَّدٍ
تُعانِقُ أوقاتًا بروحٍ مُطَهَّرا
وكانَ لِعُمرِ الدَّهرِ فَرحٌ مُقيمُهُ،
يُؤجِّجُ أنوارًا، ويَحمي المَحاجِرا

وكانت صَلاةُ النّفسِ سِرًّا مُهَذَّبًا
تُزيِّنُ أيّامًا وتُحيي المَشاعِرا
وتَسكُنُ في الأرواحِ نورًا مُطهَّرًا
يُبدِّدُ ظُلمًا قد تَهادى مُسَتَّرا

فَيا قلبُ لا تَخشَ الغُروبَ فإنَّهُ
وراءَ الدُّجى فَجرٌ يُضيءُ المَناظِرا
هُنا ينتهي المعنى ولكنَّ سرَّهُ
يُعيدُ لنا الأرواحَ زَهرًا وعاطِرا

فَيا نَفسُ إن ضِعتِ بليلٍ مُبعثَرا
فَعودي إلى النُّورِ الذي فيكِ أزهَرا
ولا تَتبَعي ظلّ الخُطى المُتَكسِّرَهْ
فإنَّ طريقَ الحقِّ أصفى وأطهرَا

إذا ما تهاوى صَوتُكِ اليومَ خافتًا
فَفيكَ صَدى الإيمانِ يَحيا مُكبَّرا
هُو العَهدُ باقٍ في الضَّمائرِ ناصِعٌ
ولو طالَ ليلُ الشَّكِّ يومًا وأظلَما

فَأَمسِك خُيوطَ الفَجرِ وانهَل ضِياءَهُ
تَجدْ في سَناهُ للسَّبيلِ مُنوِّرا
فَما ضاعَ قلبٌ يستفيءُ بربِّهِ
ولا خابَ روحٌ بالدُّعاءِ تَطَهَّرا

هُنا ينتهي الشِّعرُ لكنْ بَداخِلٍ
تَظلُّ حكايا النَّفسِ تَجري وتَزدهرا
ويَبقى صَداها في القلوبِ مُردَّدًا
كأنفاسِ رَوحٍ تُغنِي اللَّيلَ مُسحَرا

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مَقَامَ الصَّخْرِ

سَلِ الضِّيَاءَ الَّذِي فِي صَدْرِكَا  يَبْقَى وَيَزْدَانُ بِالْهُدَى وَالْفَضْلِ تِلْكَ مَسَاحَاتُ الْكَلَامِ مُؤَوَّلٌ  تَحْتَ الْحُرُوفِ ...

الأكثر رواجا