الأربعاء، 15 أكتوبر 2025

شامخَ النفسِ

تأمّلْ حديثَ الحقِّ يُزهرُ نورُهُ 
إذا صدقَ الإنسانُ سرًّا ومعلَما
فما الكبْرُ إلّا زَيفُ نفسٍ ذليلةٍ 
إذا لبِسَت ثوبَ العُلا وتوهّما

ولكنّ عزَّ النفسِ فخرٌ ومَكرُمةٌ 
به يرتقي الحرُّ الشجاعُ مُكرَّما
فمن واجهَ الدنيا بوجهٍ صلابةٍ 
سَما مثلَ نجمٍ لا يزولُ مُتيَّما

هو الفارقُ الجليُّ بينَ جبانِ قومٍ 
يبيعونَ أحلامًا ويشترونَ مَغْنما
وبينَ شجاعٍ لا يُساومُ نفسَهُ 
ولا ينحني للظلمِ ضعفًا وسلَّما

فذاكَ طريقُ العزِّ، مَسراهُ شامخٌ 
وذاكَ طريقُ الذلِّ، يُطفيءُ مَغرما
فمن رامَ مجدًا لن ينالَ كرامةً 
إذا باعَ نفسًا أو أضاعَ التكرّما

ولا يرفعُ الإنسانَ إلا عزيمةٌ 
إذا ظلّ في دربِ المعالي مُحجَّما
فخُذْ درسَها، إنَّ الكبـرياءَ كرامةٌ 
تُضيءُ الدجى، تُحيي الفؤادَ وأنعما

إذا قيلَ هذا مستطيلٌ ترفّعَتْ 
قلوبُ ذوي العزمِ السليمِ وأسلما
وما العزُّ إلا في الثباتِ وصونهِ 
إذا ضاعَ حقٌّ ضاعَ عيشٌ وأظلما

فكم سلِمَ المستضعفونَ بخوفِهمْ 
وكانوا إلى ذلّ القيودِ مُسلَّما
وكم شامخٍ قد واجهَ الريحَ صامدًا 
فلم ينحنِ الأركانُ يومًا وأُحكِما

فذا المجدُ لا يُعطى لمن رامَ سهولةً 
ولا لمُهادِنٍ يبيعُ هواه تَكلُّما
ولكنّهُ يُهدى لمن عاشَ صادقًا 
يُقاومُ بصرحِ العدلِ جورًا مُظلَّما

فيا قارئَ الأبياتِ أنصتْ فإنّها 
شموخٌ يُضيءُ الروحَ صدقًا مُلهَما
ويا نفسُ لا ترضي الهوانَ فموطِنُ 
الـكرامةِ عالٍ لا يُرامُ ولا يُدْمَا

يسمّون مجدًا عزيمتَكَ الشمّا 
وقد هابَ قومٌ وقوفَكَ عُظمَا
فأنفتَ أن تنحني للهوى 
فزلزلتَ بالحقِّ صرحًا وهدمَا

وقالوا كبرياءً صلابتُكَ العُلا 
لأنك لم ترضَ الهوانَ مُسلَّما
فموقفُكَ الوضّاءُ أضحى مهيبَهمْ 
يُجرّعهمُ صمتًا ويمحو التكلُّمَا

وينعَونَكَ بالزهوِ إنْ أنتَ شامخٌ 
تثبّتَ في وجهِ الرزايا مُقدَّما
فعدلُكَ فيهمْ يُثيرُ خواطرًا 
ألفتْ خنوعًا، وعاشتْ مُسلِّمَا

ويَصرُخُ عبدُ الذلِّ: أنتَ مُتكبّرٌ 
إذا لم يجد فيكَ الخضوعَ مُترجَّما
فمبدؤُكَ الراسخُ يسمو بعزّةٍ 
ويُفْضحُ ماضيهمُ المتهدّما

جبانٌ إذا أبصرَ فيكَ شموخَهُ 
رماكَ بغرْورٍ، وراحَ مُبهْتمَا
ولكن صفاءُ الخلقِ فيكَ مشعشعٌ 
أبانَ فسادًا في قلوبٍ وأظلما

وهمسوا: مغرورٌ، إذِ العزمُ ثابتٌ 
كجلمودِ صخرٍ لا يلينُ ولا يُمَا
فأبصرَ جرحًا في نفوسٍ ضعيفةٍ 
يُجلّيه صدقٌ منك يسمو مُترجّما

وقالوا: متعجرفٌ مَن قاومَ 
ظلمًا، فأضحى بوجهِ الطغاةِ مُعلَّما
فأرهبهمْ صبرٌ على الحقِّ صارمٌ 
يدمّرُ أوثانًا، ويكسرُ مُظلما

فصاحَ ذوو الغشِّ: أنتَ مُتعالٍ 
إذا واجهوا فيكَ عزْمًا مُسلَّما
فأربَكَهمْ صدقٌ، وأخزى سلامَهمْ 
إذ السلمُ زيفٌ يُرادُ مُقدّما

وإن قالَ عنكَ المُدلَّى: مُحتقِرٌ 
فلستَ ترى غيرَ المكارمِ مغنمَا
فأنقى سلوكٍ منك يُبرئُ جرحَهمْ 
ويمنحُ أرواحًا صفاءً مُكرَّما

وقالَ دنيءُ النفسِ: أنتَ مُتعالٍ 
بعينٍ كحدِّ السيفِ تنفذُ مُظلما
فمقياسُكَ السامي فضحَ خواءَهمْ 
وأبقى هباءَ الصمتِ فيهم مُتيَّما

فدع عنكَ قولَ الواهنينَ فإنّهُ 
سرابٌ يُنادي العابرينَ ويوهَما
وسِرْ في طريقِ العزمِ حُرًّا فإنّهُ 
سبيلُ الذي للحقِّ يبني ويَحكُما

ولا تلتفتْ يومًا إلى همسِ عاجزٍ 
فصوتُ الحقيقةِ في القلوبِ تُرجّما
وما الكبرياءُ الحرُّ إلا مهابةٌ 
إذا زانَهُ صدقُ الفؤادِ وأنجَما

فمن عاشَ حرًّا شامخَ النفسِ لم يَهُنْ 
ولو كثُرتْ أهوالُ دنيا وأظلَما
ومن باعَ نفسًا في مزادِ خنوعِه 
فقد عاشَ عبدًا ذاهبَ الروحِ مُظلَما

فطُوبى لمن صانَ الكرامةَ عِزّةً 
وأبقى على الدهرِ الجبينَ مُسلَّما
فذاكَ هو الخلدُ الأبيُّ وصوتُهُ 
يظلُّ على مرِّ الليالي مُلهَما

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مَقَامَ الصَّخْرِ

سَلِ الضِّيَاءَ الَّذِي فِي صَدْرِكَا  يَبْقَى وَيَزْدَانُ بِالْهُدَى وَالْفَضْلِ تِلْكَ مَسَاحَاتُ الْكَلَامِ مُؤَوَّلٌ  تَحْتَ الْحُرُوفِ ...

الأكثر رواجا