الخميس، 16 أكتوبر 2025

سَفرِ السنينْ

هنا، تُفتَحُ الأبوابُ على صَمتٍ بعيدْ
فتَخرجُ الذكرى كطَيفٍ في وعيدْ
يَغمرُها الحُلمُ بأجنحةِ القصيدْ
ويُسافرُ المعنى على دربٍ جديدْ

هنا، يُصلّي الحرفُ في محرابِ نورْ
ويَكتسي الوجدانُ بالأسرارِ دُورْ
كأنَّهُ مَوجٌ على الشطآنِ يثورْ
ثم يَعودُ طائعًا يَطلبُ الغُفورْ

هنا، يُقيمُ الليلُ في صدرِ الكلامْ
ويَسقي الفجرَ من أنخابِ الغمامْ
فينهضُ الحرفُ مُضمَّخًا بالسلامْ
كأنَّهُ نجمٌ تَناثرَ في الظلامْ

هنا، تُصافحُنا الرؤى من غيرِ بابْ
تُهدهِدُ الأرواحَ أنغامُ السحابْ
ويَنتشي القلبُ بآياتِ الغيابْ
فكلُّ غيبٍ في الحروفِ له إيابْ

هنا، يَذوبُ الوقتُ في نهرِ الشعورْ
ويَنطقُ المعنى على لحنٍ طهورْ
كأنَّهُ البوحُ وقد صاغَ الدُّهورْ
تسابيحًا لا تَزولُ ولا تَغورْ

هنا، يَفيضُ الحلمُ في صمتِ الفؤادْ
ويَمنحُ العينينِ أسرارَ الرشادْ
كأنَّهُ وعدٌ على مَرِّ البلادْ
أنَّ السُّطورَ مرافئٌ لا تُستَعادْ

هنا، يُطلُّ الفكرُ من شُرفاتِ غيمْ
ويَستريحُ اللّفظُ في حضنِ النَّسيمْ
فتَكتبُ الأرواحُ ديوانًا كريمْ
يمتدُّ في الأفقِ كبحرٍ لا يَسيمْ

هنا، يُهيَّأُ القارئُ للسَّفرِ الطويلْ
بينَ أصداءٍ من الذكرى والعليلْ
ليَجدَ في القصيدةِ وجهًا للجميلْ
ويَبلغَ بالفؤادِ ضفافَ المستحيلْ

يا سائلي عن سِفرِ أيّامٍ طواها الغيابْ
عن مَرايا الذكرى حين يَكسوها الضبابْ
عن حروفٍ تناثرَتْ فوقَ رياحِ السنينْ
فبَقينَ أنغامًا تهمِسُ للقلبِ العَجيبْ

هذي السطورُ بقايا حلمٍ على الورقْ
ترتيلُ روحٍ على الأفقِ قد انبثقْ
تَسكبُ في اللّحنِ شمسًا ثم تَحتَرِقْ
لكنها تَبقى حياةً، لا تُختَرقْ

فيها حنينُ المدى وأصداءُ الرؤى
فيها ارتحالُ الشّجونِ عبرَ الدُّجى
فيها انسيابُ المعاني مثلَ نهرٍ صَفا
وفيها طيفُ النورِ حينَ ارتَقى

يا قارئي، أَصغِ للأحرفِ إذ تفيضْ
كالعطرِ يسري إذا داعبَتهُ النَّسيمْ
ستجدُ في ثناياها أسرارَ الوجودْ
وستَلمَسُ في صداها وعدَ الخلودْ

هذي أناشيدُ روحٍ تكتبُها الحياةْ
مُطرَّزةٌ بالرجاءِ، بالحبِّ، بالثباتْ
تمهيدُ سفرٍ يَفيضُ بالشِّعرِ والآياتْ
ويَفتحُ بابَ السّنا على ألفِ جهاتْ

تأمّلْ أرشيفًا بحدودٍ غِشاوَةْ
فالدقائـقُ تُغنَّى وتبقى صَفـاوَةْ
آثارُهُ تنسابُ مثلَ السّيولِ
وتمامُهُ يغدو سرابًا يَذوبْ

وأبصرْ ذكرياتٍ بظلالٍ مَريبَةْ
دقّتُها تبقى أصداءً قَريبَةْ
خُطاها تُذوَّب كالغيثِ دفقًا
وكاملُها يمضي بعيدًا غريبْ

وَاستشعرِ الشُّهُودَ على الأطرافِ ضبابْ
تفاصيلُهم تَضحكُ مثلَ السَّحابْ
قرائنُهم ترقصُ مثلَ انفجارٍ
وأُطلقُهم يَهربُ من كلِّ بابْ

واستجْلِ براهينًا بحدودٍ غُيُومْ
وضِياؤها يبقى دعاءً يقومْ
إشاراتُها تعلو كأنّـا هبوبٌ
وكمالُها يَرفضُ فعلَ اللُّزومْ

قبّل ابتسامًا كان يومًا يُضيءْ
واليومَ قد ذبُلَتْ شِفاهُ البريقْ
أفراحُهُ غارتْ بأعماقِ صمتٍ
والبهجةُ وَلَّتْ مع الرقصِ تيهْ

وانظرْ إلى الهُداةِ بقولٍ سخيٍّ
تخترقُ الأمواجَ أصداءُ الحَميِّ
تأييدُهم جُدرٌ كأنّها حصونٌ
وحضورُهم يُفتحُ كلَّ الدُّروبْ

تأمّلْ أساتذةً بحِكمةِ عقلٍ
تخترقُ الأوهامَ ومَكرَ المَحلِّ
سندٌ لهم يعلو كحِصنٍ مُشيَّدٍ
والمُعشِراتُ تبدّدُ صمتَ الفُصولْ

وأصغِ إلى إخوةٍ بصوتٍ حنونٍ
تحطّمُ الأحزانَ أنفاسُ طُهرٍ
دعمُهم يعلو كبُرجٍ مصونٍ
وأخوّتُهم تَعِدُ فجرَ السّماءْ

واشعرْ برِفقاءِ بأفعالٍ عَطُوفَهْ
تحثُّ على الخيرِ دُرُوبًا مَعْطُوفَهْ
دعامتُهم تُبنى كقِلاعٍ رفيعَهْ
وصُحبتُهم تُطلقُ أجنحةً خَفوفَهْ

وانظُرْ إلى إخوةٍ بفعلٍ جليلٍ
نُصحُهم يَكسرُ جدارَ المستحيلِ
تثبيتُهم يَعلو كأبراجِ نورٍ
ووفاؤهم يُصلحُ دَينًا ثَقيلا

فيآ رفيقَ الدروبِ لا تَخشَ الفَناءْ
فالحرفُ يبقى وإن غابَ الضّياءْ
تَظلُّ فينا الصّدى، تَظلُّ فينا الرؤى
ويُزهرُ المعنى إذا ماتَ الرّجاءْ

هذي الشهادةُ نارٌ ثم نورْ
تَسري بنا حيثُ لا يَبلُغُ الدّهورْ
وتَكتبُ الأرواحُ في صمتِ السُّطورْ
أن البقاءَ للحبِّ مهما كانَ يَثورْ

فلتَحملوا الذكرى كعِقدٍ في القلوبْ
ولتَزرَعوا الأملَ في بيداءِ الدروبْ
فالوقتُ يمضي لكنَّ العَهدَ لا يَذوبْ
والمَجدُ يُبنى من وفاءٍ لا يتوبْ

يا أيُّها العابرونَ في سَفرِ السنينْ
اتركوا في الأرضِ أثرًا للعاشقينْ
واجعلوا من صمتِكم صَوتًا للأمِينْ
فالأرواحُ تُزهرُ إن صَغَتْ للحنينْ

وهكذا تنطوي الحكايةُ في السطورْ
تَغفو على مَوسيقى القَوافي والبُحورْ
لكنها تبقى مشاعلَ لا تَبورْ
تُهدي القلوبَ إلى الفضاءِ وإلى النّورْ

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مَقَامَ الصَّخْرِ

سَلِ الضِّيَاءَ الَّذِي فِي صَدْرِكَا  يَبْقَى وَيَزْدَانُ بِالْهُدَى وَالْفَضْلِ تِلْكَ مَسَاحَاتُ الْكَلَامِ مُؤَوَّلٌ  تَحْتَ الْحُرُوفِ ...

الأكثر رواجا